أحبّوا.. تُحَبّوا

في كُلّ يومٍ يُضاف إلى عدّاد عُمري تزيد قناعتي بأنّ لا أحدَ -مهما كان بغيضا- اختار أن يكون سيّئًا لدرجة تجعلُه يتلذّذ بأذيّة الآخرين كما يبدو على غالبيّة الذين آذونا لدوافع لم نفهمها في مرّات كثيرة، وأكاد أكون أكيدة أنّ من يتغذى على الكراهيّة التي تُنتجها أفعالهم ليست إلا وحوش يقظة تُواصلّ دقّ المسامير في ذاكرتهم لتُوقظ ما تعرّضوا له من مواقف سيّئة في فترة ما من حياتهم جعلتهم يظنّون أن الأخيار هم المستضعفون الذين لو ظلّوا على ما هم عليْه لآلمتهم قسوة الأقوى منهم، وبهذا ربطوا القوّة بالأذى وبات الخير في نظرهم ضعفاً سيُلحق بهم جراحاً هُم في غنى عنها.

 

فكما ترعرعت أنت على الحُب الذي كسبته من عائلتك، أصدقائك والجو الحميم المحيط بك، فهُناك من كبرَ في جو مُشحنٍ بالقسوة، البغض، الحقد أو الخوف والحرز الزائدين لدرجة منعتهم من التقدّم خطوة واحدة للبدء بعلاقة حقيقيّة بغض النّظر عن مُسمّاها، وهُناك من أُجبر على سلك طريق لم يخترها، كما أن الكثيرَ من "المنبوذين" -لو أحسنت بهذه الكلمة وصفهم- كبروا على حُب آخر جعلهُم نرجسيين حتّى ما عادوا قادرين على أن يُحبّوا شخصاً غير الذي يرونه كُلّ حين في مراياهم… والكثير من الذين لم يختاروا أن يُصبحوا بغيضين بل حاولوا حماية أنفسهم من حُبّ كبير قد يفتح في أرواحهم نوافذ جراحٍ تطلّ على جهنّم.

ومع هذا فإن الحُب مُعدي، وليس بمقدور أحدٍ مُقاومته مهما كان قلبه مليئا بالحقْد والسوداويّة، فإنّه سيظل ميّالاً للحُب، وإن حاول بشتّى أساليبه أن يُقنعُك بأنه يُفضّل الوحدة على لمّة الأصدقاء والعائلة أو صدّ كُلّ قُربٍ طلبَه أحدُ المُحبّين الذين رأوا فيه ما لا نراه، وظلّ ينشدُ أمامك مُعلّقات تحكي عن قوّة النفس والاكتفاء بالذات، فلا تُصدّقه.. حتى وإن رفض أمامك الأكتاف التي أرادت أن تحملَ عنه بعض همّه فطلبت منْه أن يُميل رأسه عليها كي يرتاح بينما تذرّع بالشموخ والثّبات، لأنه مهما أنكر وصدّ وابتعد فسيظلّ يئنّ في الليل من وحدته مُعترفاً أمام نفسه بضعفه الذي يمنعه في كُلّ مرّة أن يُواجه خوفه ويخرج من قوقعته ليُشارك شخصا واحدا على الأقل همّه الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم، أو يستعين به لحلّ مُشكلة لم يجِد لها في قاموس تجاربِه المحدودة أيّ مفتاح.

 

لا تيأس بابتعادك من مواصلة المبادرة بالحُب.. بل كُن أكيداً أنّهم سيجلدون ذاتهم كلّما تذكّروا حُبّك ومحاولاتك اللحوحة لكسب ودّهم، ليُقسموا أمام ظلّك بعدها أنّ الخوف من هذا الحُب هو الذي كان يزيدهم قسوة

فالمرء مهما كان وحيداً فإنّه سيظلُ كما قال عنه ابن خلدون "اجتماعي بطبعه"، وقدْ تجد من يكرهُك لأنك محبوب وذلك ليس بسبب سوداويّته أو حقده كما تظن، إنّما لأنه لم يجد مثلك من يُمطره بكل هذا الحب أو يُشعره أن لوجوده أهمّية كالتي يُشعرك أحباؤك بها، ولا يعني ذلك أن تشعر بخطيئة ذنب لم تقترفه، لكن حاول لو كُنت تملك الطاقة الكافية أن تعملَ على تحويل هذه العداوة إلى صداقة أو مودّة، بالردّ على كُل الكره الذي تظنّ أنه يكنّه لك بكمّية وافرة من الحُب.

 

ولا يعني ذلك أيضاً أنّ عليك التمثيل لتُعالج نقصاً فيه أو تسدّ حاجته إلى الشعور بالاهتمام، لكن على الأقل حافظ على ابتسامتك في وجهه فقد تكون مفتاحاً لقرب تُدرك بسببه يوماً ما أنّك كُنت بحاجته أكثر من احتياجه لك، ولا تكُن عبوساً أمام الذين لا تكنّ لهم أي أنواع الحُب، المعزّة، المودّة أو الاهتمام، بل ضع نفسك مكانهم وفكّر قليلاً لو كان يومُك سيّئا هل كُنت تُفضّل أن تستيقظ على وجوه عابسة تصبّ الوقود على نارِ بؤسك؟

أما أنا ففي مرّات كثيرة أخاف أن أردّ على الأذى بمثله، فأتحوّل إلى شخصٍ آخر لا يُشبهني مُنصاعة بذلك لقاعدة "أن لكُل فعلٍ ردّ فعلٍ عكسيّ"، فأخضع لقانون الغابة وأسير بعدها وراء القطيع، ولأنّني أرفضُ هذا فأنا أحاول جاهدةً بكُل ما أوتيت من قناعة أن أردّ على الكُره بجرعة حُبٍّ حتى وإن كُنت أُرغمُ نفسي عليها، لأتبع بذلك نهجي الذي أسير عليه ثابتة رُغم ارتعاش المواقف من حولي، وأظلّ أصدّ الذين يحاولون دفعي على ردّ الأذيّة التي تلحق بي من أفعال أولئك السوداويين بعبارة واحدة لم يُولّدها النفاق الاجتماعي ولم تنتج عن رغبةٍ في كسب شيء ما على أي صعيدٍ أعيشه في حياتي.. فقط "أحبّوا تُحَبّوا" لأن الحُبّ -كما قُلت سابقاً- مُعدي.

ومع هذا فإن لكُل قاعدة شواذ.. لذا فهناك من لا يُجدي الحُبّ معهم حتى وإن رميت بالورد شوكِهم، وأخطت جراح أيديهم بعد أن قبضت على الحجارة التي قذفوك بها، لذا ابتعد إن زادت جُرعة أذيّتهم كي لا تُصبغ بأفعالهم وتبحث بعدها عمّن تؤذيه طالباً منه أن يجدَ لك من جرحك عُذرا، ولا تيأس بابتعادك من مواصلة المبادرة بالحُب.. بل كُن أكيداً أنّهم سيجلدون ذاتهم كلّما تذكّروا حُبّك ومحاولاتك اللحوحة لكسب ودّهم، ليُقسموا أمام ظلّك بعدها أنّ الخوف من هذا الحُب هو الذي كان يزيدهم قسوة..



حول هذه القصة

حشد النظام قواته حول أحياء يتحصن بها تنظيم الدولة جنوبي دمشق تمهيدا للهجوم عليه، عقب فشل مفاوضات معه، وأمهلت روسيا المعارضة بشمال دمشق حتى غد للتسوية توازيا مع قصف جوي.

18/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة