كبرنا.. والحياة لا تمنحنا الفرصة للعيش!

blogs العيش

لقد كبرنا، وتساوت أمامنا الأشياء، كبرنا، وانتماؤنا لكلّ ما كنّا ننتمي إليهِ قد زال، كنّا نهربُ من كلّ أفكارِ السيطرة، ونرددُ في سفرنا دومًا، يا الله، جنبنا كآبة المنظر، لقد عرفنا أنّ المنظر ليس الذي يرى بالعين المجرّدة فقط، بل الذي تبصرهُ أعين قلوبنا أكثر من أعيننا الملموسة. قلّ الأصدقاء، وزاد ظهور الليل وقلّ تواجدُ النهار، كنّا قد كتبنا أحلامنا الصغيرة على لوائح وحملناها في سفرنا طوال السنين، وفي كلّ عامٍ كنا نزيل واحدًا، حتى وصلنا حلمنا الأخير الذي خسرنا كلّ شيء لأجله، فمددنا أيدينا نحوه، وما أن امتدّت، حتى أزيل الستار واكتشفت أنها إحدى خدع السراب، فبكيت، ثمّ تذكرت أنّك كبرت، فخفت أن يرى أحدٌ بكائك، واعتزلت الناس وبقيت وحيدًا تلملم بقاياك التي انهارت..

سُرقت الأيام منّا، ووجدنا أنفسنا في مرحلةٍ لا نحسن الوقوف فيها، لم نعد أطفالًا، ولا نملكُ من النضج ما يكفي لمجاراة كلّ أحداث الحياة، نقع ونقف، نبكي ونضحك، نحبّ أشدّ الحبِّ ونكره أشدّ الكره، نتقمّص دور المتناقض في كلّ ما نتصرف، تتبادر في عقولنا آلاف الأسئلة التي لا نملكُ أية إجاباتٍ منطقية لها. الذهول سيّد الموقف، وما أن بدأت مرحلة التأمل في الحياة لديك فاعلم أنّك لن تنتهي، وستشعرُ دومًا أن شيئًا ما قد أُخذَ منك غصبًا، فما تلبثُ إلا أن تنكمش على نفسك قليلًا، وتقول، كيف مضت كلّ هذه الأيام؟ وما الذي سيأتي بعد مضيّها؟ 

كبرنا، ولم يعد البحث عمن يفهمُ طباعنا المجنونة هو الشيء الذي نعيشُ لأجله، لقد اخترنا البقاء في الأماكنِ الآمنة، التقوقع داخل أسرّتنا واستراق النظر إلى العالم من طرف الغطاء الذي نكمم وجوهنا فيه، ما الذي أفقدنا الرغبة في الخروج ومواجهة العالم؟ بل أنّا إن فعلنا حتى لا نقابل الناس إلا بابتسامات باهتةٍ ولا نلقي السلامات إلا بأيادٍ متراخيةٍ كأنها تقولُ هل حقًا يجبٌ أن نلقي السلام؟

كلّ هذه التصدّعات في أرواحنا، كلّ صدى الصوت المتردد فينا، أرواحنا المنطفئة وبساتين قلوبنا الذابلة، هل تراها تزهر؟
كلّ هذه التصدّعات في أرواحنا، كلّ صدى الصوت المتردد فينا، أرواحنا المنطفئة وبساتين قلوبنا الذابلة، هل تراها تزهر؟
 

لمَ لا نتوقف عن رغبتنا في الهرب من كلّ شيء؟ هل لأنّا حقًا كبرنا؟ ونعيشُ أيامًا لا تقولُ في ذاتها إلا أنّ الانتقال من الطفولة إلى الشبابِ أمرٌ ليس بالسهل، عليكَ أن تكون قويًا من ذاتك، رغم أنّ ذاتك المتهالكة تحاولُ ولا تستطيع، تتظاهر حتى بات الناس يصدّقون أن الوجه المبتسم والمستمرّ بالضحك ولا تنسدل أستار شفتيه على أسنانه يعيشُ أفضل أنواع الحياة، ولا يحقّ لهُ البكاء، ولا يستطيعُ أبدًا الشكوى، وكأنّ الله لم يخلق لهُ قلبًا، واستثناهُ من خلقهِ حين وهبنا المشاعر!

نحنُ كبرنا منذُ اللحظة التي حاولنا بها فعل المستحيل لإخفاء تهالكِ الروح وكلّ الانهيارات التي تظهرُ جيدًا في هالاتنا السوداء، في ارتجاف يدينا لحظاتِ التوتّر، نحاولُ أن نتقنَ جميع الأدوار، لكنّ كلّ ما يمكن تمثيله ينتهي بمجرد انتهاء العرض، وتبقى أنت وحيدًا، وتعرفُ تمامًا ما الذي يحصلُ حينها. لا أنكر، نحنُ نملك من القوة اطنانًا، لكنّ شكل الحياة التي نعيشُ بها تنسفُ كلّ ما يأتي أمامها، من منّا لا يعرفُ أنّ الأحداث المحيطة بنا تستطيعُ كسر كلّ مجاديفنا؟ من منّا لا يعرفُ أن صراعاتِ أوطاننا مثلًا لا تكونٌ سببًا في شعورنا أنّا سبقنا الآخرين مئة عامٍ إلى الأمام..

دائمًا كنتُ أطيل النظر في جملةٍ تقول أنّا الجيلُ الذي شابَ في عمر الشباب، كان لا يمرّ الشهرُ الواحد إلا وتأتي أمام ناظري أو أستمعُ إليها في نقاشات الناس، كم يبدو الشعور مخيفًا أن تشعُر بما شعر به الناس في سنواتٍ طويلة داخل عامٍ واحدٍ فقط! إنّ كلّ هذه التصدّعات في أرواحنا، كلّ صدى الصوت المتردد فينا، أرواحنا المنطفئة وبساتين قلوبنا الذابلة، هل تراها تزهر؟ ماذا عن جنوننا الكبير؟ رغبتنا في الضحك؟ القوة التي نملكها لنحسّن طريقة العالم في العيش؟ اللينُ الذي نملكُ والحبّ الذي نستطيعُ إهدائه للعالم إذا ما سمح لنا، رغبتنا في الوقوف والتأسف لكلّ العابرين على ما قاسوهُ ومنحهم عناقًا دافئًا يلملم بقاياهم؟ هل تبدو كافية أمام العالم ليُفسح لنا المجال للعيش؟