زاحف للعودة.. سيناريو الحلم الأسود

مدونات - مسيرة العودة

منذ سنوات عدة طرح العديد من الكتاب الصهاينة، وقادة جيش الاحتلال الصهيوني طرحاً لسيناريو محتملاً حدوثه مع مرور الوقت، وبعد تصاعد الأزمات في المنطقة، وارتفاع حالة الاحتقان لدى الجماهير الفلسطينية المنتشرة في الشتات، والعربية المتشوقة لتحرير فلسطين ودخلوها، حيث كان مفاده: "أنه في حالة جاءتنا حشود بالملايين زاحفة نحو الحدود من كافة الاتجاهات تصب نظرها صوب الكيان الاحتلالي، ما الذي يمكن لها فعله إسرائيل في هذه الحالة ؟!"، كانت الإجابات حينها ليس لها وجود، وجاء الرد واحداً، وأذكر أن أفيخدور ليبرمان، وإيهود باراك أفصحا حينها أنه إذا ما حدث ذلك سيكون للأنظمة العربية، وقواتها الأمنية الدور في منع حدوثه، وإخماده.

 

غزة تلك المدينة العصية على الانكسار، والتي تمنى الكثير من قادة الكيان المغتصب محوها عن الخريطة، وبلع البحر لها، أصبحت شوكةً في حلقه، وأيقونةً للنضال، والحرية، والأمل بالحياة رغم الصعاب، وقسوة الحصار، أثبت كل من فيها، ومن عليها يوم الأمس الجمعة 30 من آذار لعام 2018 مدى الارتباط الوثيق لهؤلاء البشر بالأرض، وهويتها، واستعدادهم الفوري للتضحية، ويقينهم بأن الأوطان، والبلاد لا تعود مطلقاً لأهلها، ولا تحرر إلا بالدماء، والأرواح، والأنفس.

 

إذا كانت ثورة الجزائر للتخلص من الاحتلال الفرنسي قد قدمت مليون شهيدٍ فداءً للحرية، والوطن، فليكن فداءً لفلسطين وأرضها عشرات ملايين الأنفس، ولا عودةً لأرضٍ بلا ثمن

في مسيرة العودة الكبرى، كانت رسالةً قوية، ومفاجئة للمنظمين أنفسهم بمدى اندفاع الناس، وكثرة عددهم لاستنشاق هواء الجليل، وحيفا، ويافا، وعكا، وكل شبرٍ من أرضٍ عبقة بعطر الشهداء بدمائهم الزكية، وحقاً لم يكن الأمر مقتصراً على فئة الشباب لوحدهم، بل على العكس حضر الشيخ، والطفل، والنساء، في صورةٍ عادت بالذاكرة للرسومات الضوئية لجوءً وقت النكبة عام 1948، واللحظة عودةً ميمونةً زحفاً لاحتضان الأرض بما رحبت، فالصور التي نقلت ما جرى أبلغ رسالةً، ومشهداً مما يمكن ذكره هنا.

 

امتزاج الحدث بالعواطف، والحماس، والدوافع الوطنية، والرغبة الجماهيرية العارمة، والرأي العام الفلسطيني المؤكد على حق العودة، والشهداء، والجرحى الذين سقطوا، يحتاج إلى استيعاب حقيقي من أصحاب الثقات، والنخبة في داخل فلسطين، وخارجها لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني بشكل موحد ووطني، والبدء بالتخطيط للانتقال إلى مرحلة جديدة تعزز من الروح الوطنية، والنضالية بكافة السبل لاجتثاث التعصب الحزبي، والفصائلي، والمواجهة الصريحة مع أي طرف له دور فعال في تسويف أي حل للضغط على الاحتلال، وإجباره على الخضوع للمطالب الفلسطينية.

 

لا سيما أن أوسلو انتهى وكان أكذوبةً كبرى غرر بها هذا الشعب، وإعلان "دونالد ترمب" باتجاه القدس الشريف عاصمةً للنازي الصهيوني نسف أي فوضى باسم المفاوضات، والعرب منشغلون بمشاكلهم، وصراعاتهم على السلطة، والإمارة، وصفقة القرن المعدة من "كوشنير" صهر الرئيس الأمريكي تدق الأبواب لمحو فكرة القضية الفلسطينية تماماً، والتخطيط لمكانٍ ما ينقل إليه الفلسطينيون، بعد حوم الشبهات، والمعلومات بتواطؤ بعض الدول العربية لتنفيذ هذا السيناريو، وصار الأمر مقترناً بالإرادة الشعبية الفلسطينية، والتجييش الشعبوي في داخل أراضي فلسطين للمواجهة مع المحتل دون هوادة، وفي الخارج للدعم اللوجستي، والمالي، والإعلامي، والإنساني، والحقوقي، والتاريخي بحقيقة الأرض وأصحابها.

  undefined

 

وقد لفت العديد من الكتاب إلى أن حركة المقاومة الإسلامية حماس بسيناريو تأجيجها للجماهير، ودعوتها لخروجهم ، ما كان إلا بسبب الضغط الكبير الذي تتعرض له، ويقف على عاتقها، وحجم الأزمة الداخلية التي تمر بها نتيجةً لحصار القطاع وخنقه، وأنه لا يحق التبرير لأفعالها، وغض الطرف عن دفعها للشباب نحو الشيك الحدودي الفاصل للموت لتحقيق مآربها، وتطلعاتها السياسية، نظراً لحدوث سيناريوهات مسبقة، ومماثلة دعت إليها الأنظمة في سوريا، ولبنان، وكانت الانتقادات حينها لاذعةً، ومشيرةً إلى الغايات، والحاجات المختزلة في رؤوس تلك الحكومات العربية لتخفيف حدة أزماتٍ ما، ولدت ورطةً داخلية اقتضى حلها استغلال شماعة القضية الفلسطينية، وتقديم كبوش فداء لاجئيها ليعبروا الحدود، وتفتح لهم.

 

إن وقائع حدث مسيرة العودة الكبرة في ذكرى يوم الأرض لسنتها الـ 42، والذي سيستمر على مدار ستة أسابيع أثبت نجاحه، وفاعليته، وإمكانية تكرار هذا الأمر في المستقبل القريب ليزحف الملايين، فلربما به تحرر هذه الأرض المسلوبة لسبعين عاماً، وتكون الكتل البشرية المندفعة أول سلاحٍ مستخدم في تاريخ الإنسانية لاسترداد الحق، فعدو كهذا وإن أسندته قوى عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، كان للأيامٍ تبياناً عن مدى ضعفه في مواجهةٍ طويلة الأمد رغم عتاده وسلاحه المتطور، والمتفوق، وجبنه باللجوء إلى الحرب الخاطفة، والغدر، والخيانة.

 

وإذا كانت ثورة الجزائر للتخلص من الاحتلال الفرنسي قد قدمت مليون شهيدٍ فداءً للحرية، والوطن، فليكن فداءً لفلسطين وأرضها عشرات ملايين الأنفس، ولا عودةً لأرضٍ بلا ثمن، فمن لبقعة الإسراء والمعراج ليقود الدفة ويعيدها لأصحابها، وأمتها؟.