هكذا بدأت سوأة الهند أمام العالم

"مضيت أطلب جثة طفلتي المفقودة، فتشت في كل مكان، في المروج، في الجبال، في كل الفراغ، وتركت الهيكل وقد تعرفت بأنه هو المكان المقدس" هذه حكاية والد حنون فقد طفلته العشيقة "آصفة" التي أخذت بيده الناعمة وضمت في دفئ صدره ليل نهار، ربما وعدته بالعودة والرجعة السليمة، لكن العيون المتربصة لم تزل تلاحقها وتقص آثارها، حكاية والد تكسرت أحلامه وجفت طموحاته، لكنه لم يزل يثق بقداسة العقيدة وأخوة الدولة، ومحبة الإنسان الفطرية، ولم يشكك أبدا في قداسة المعابد ومراكز العقيدة، بل ظل يردد أما زالت الهياكل رحاب المودة والإخاء فكيف لي أن أدخل وأجد أمانتي.

ما زالت الأخبار الواردة من شبه القارة الهندية تسيء ظن الكثير، وتحطم الخيالات المتكدسة وتضرب أحلام المتفائلين، لقد رفرفت أجنحة الظلام فوق متنها المقدس، فوق جوها المعتدل، فوق واديها الظليل، فوق ماضيها الزاهر الذي يأبى الخضوع أمام المظالم، فوق كشمير التي نادينانها جنة الأرض وحورها، لقد خدشت مخيلات العالم خلال هذه الأيام التي شهدت لأبشع الحوادث في متنها، حوادث ربما لم تجدوها في قنواتكم أو لم تصلوا إلى كنه الحقيقة، حيث اغتصبت طفلة مسلمة بشكل مخجل، في سنها الباكر، في زهرة أيامها، في عتبة آلهة مقدسة، بين شرطي وكاهن، بين حارس وحامي، بل الأبشع من ذلك أن هذا الخبر الصادم انطوى بين ملفات المحكمة ووراء الحقيقة طوال الشهور لم تعثر عليها العيون، ولم يتجرأ أحد لرفع هذه القضية أمام منظر العالم، وفوق ذلك تعرض محامو هذه القضية لتنديدات شديدة ومداهمات بشعة من جانب الحكومة الداعمة مع المتهمين، تبا لهؤلاء المحامون الذين ارتدوا عباءة سوداء حاملين ولاية الحق والحقيقة، والواعدين بتطبيق المساواة وكشف الحقيقة، نعم هكذا بدت سوءة الهند أمام العالم.
 
بل لقد بعث سائر أشباح الظلام وانتفض من رقاده وتسكع في جميع مدن الهند، بل امتدت أياديه الغاشمة نحو الدستور والقانون وآليات الحكومة، ترى آثارها الملعونة في كل المنصات، وتسمع رجعاتها خلال الخطابات التي تصدر دائما من أولئك الرجال، الذين ينفخون كير الشدة والعنف والكراهية لا سيما بعد اعتلاء حزب الهندوس الوطني عرش الدولة وفرشها بساطات حمراء لتوسيع منظمات متطرفة من قبل الهنادكة نطاقها حول مكونات النظام، وتطبيق فعاليتها بالملاحقة والتعذيب وتهديد أوضاع الأقليات بشكل محرج، اعتقالات عشوائية وتطبيعات إرهابية، هكذا تمضي الهند التي نادتها الأيام عروس العالم فوق مطبات جريحة، فوق ألغام مدفونة لا توجد لها أية كاسحة، فوق مفخخات ربما تسمعون انفجارها عن قريب.
 

الفاشية في طريقها إلى الهند
مع شعارات الوطنية نبتت كل التحركات التي تستهدف قمع التراث واجتثاث الجذور من التاريخ، وقد تمكنت الفاشية في نصب شعارات شديدة الأصداء يتحصل خلالها غسل الدماغ وتقليب الفكرة

لقد نفضت الفاشية الهندية غبارها في الأزل القديم، وقد تمكنت للتسلل في كل الثقوب والشقوق حتى استولت على رؤوس الإدارة وطفقت في المساومة بشأن الوطنية وحماية العدالة، ولا زالت الأقليات والأمة المسلمة في مصف التهديد وتحت الخطر، وقد صنفت هذه الطبقات المشردة في عينهم كطبقة استوطنت الهند واحتلتها من غير أي شرعية، بل قال زعيمهم السياسي "أم أس غولوالكر" الذي رأى في "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية شخصية مثالية، وفي الحركة الصهيونية حياة وروحا تستمد منها قوة وإرادة لتأسيس دولة خاصة للهندوس " بأنه لا بد للأجانب أن يحترموا حضارة الهندوس الحية، وأن ينضوا تحت رايتها وينطبقوا في مسارها طوال حياتهم في الهند، فلا توجد فيهم غيرة دينية أو حضارية إلا ما تستنبط من الهندوكية والآرية، بل عليه أن يتمركز في قداسة الكيان الهندوسي وأن يتناسى عن قيامه ووجوده"، وقد مضت الآن سبعة عقود من رحيل "غولوالكر" إلا أن أصداءه المسمومة تؤرق الأمة المسلمة والطبقات الأصلية المشردة في عين حزب بهارتي جناتا، ونستعرض هنا سلالم الفاشية التي صعدت عليها الهند فكرة وعمليا.
 

رفع شعارات الوطنية ذات الشدة والعنف

مع شعارات الوطنية نبتت كل التحركات التي تستهدف قمع التراث واجتثاث الجذور من التاريخ، وقد تمكنت الفاشية في نصب شعارات شديدة الأصداء يتحصل خلالها غسل الدماغ وتقليب الفكرة، وهي طريقة التشكيك والتشريد معا، تشرد طبقة وتمجد أخرى، يستخدمون شعارات الوطن ومعالمها ومآثرها التاريخية لرغباتهم التافهة، كما اتضحت هذه المكيدة بشكل جيد في إصدار قانون لرفع العلم الهندي وفرض النشيد الوطني في كل المدارس الإسلامية، وفي دعايتهم تلوح بأن المدارس الإسلامية والكتاب لا زالت تصنع أجيالا للإرهاب والفكرة المتعسفة.
 

رفض الحقوق البشرية

تفرض الحكومة بعضا من القوانين التي تجس نبض الشعب، من الاعتقال والملاحقة والتعذيب، وتبرر هذه الفعاليات عبر الوسائل الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعية، ربما صنعوا لها شريطات مزيفة ومقاطع فيديوهات مسيئة، ومعركات في ظل الكذب بنية جو عدائي. فإنه تكشف الحكومة ذاتها ما تحتاج من الأعداء، ثم تحيك لها أنواعا من الحيل لإبادتها، وتقف الأقلية المسلمة والطبقات المشردة الأصلية في مرمى زنادهم، لقد وجدت هناك عدة شواهد قواطع التي تدل إلى طوايا الفاشية، يروجون نعرات ثورية لتحميس نبضات الهنادكة وتجميع أنفسهم لمناوئة الإسلام، كما ادعت الحكومة بأنه تمت أسلمة الجامعات الوطنية في ظل الإرهاب لحد أن اعتقلت شبابا موهوبين ذوي الخبرة، وكلهم انتموا إما إلى المسلمين أو إلى الطبقات الأصلية، ويستهدفون مناطق يسكن فيها المسلمون مع الراحة والفرحة، مثلا مقاطعة ما لا برم في جنوب الهند، لقد كانت هذه المقاطعة مثار جدالهم وهدف رصاصاتهم، اتهموها بالإرهاب وبعميلة "باكستان" وغيرها من الوسامات الإرهابية، رغم سكونها وقلبها المفتوح إبان الصراعات التي تندلع في ربوع الهند، يحاصرون هذه المناطق سياسيا واقتصاديا، ويحاولون لتشكيل الفوضى والدماء حتى تنهار أهميتها الجغرافية، وينهد ميزانها الاقتصادي.

 

تمجيد العساكر

لقد ظلت العساكر موضوع الوطنية بالنسبة لهم، يساومون كل قضية تتعلق بالعساكر، يرفعون شأنها ويطبعون على أنفسهم بأنهم رجال الوطن كما تدعي "أر" أس" أس" ويتهمون المسلمين وغيرهم بالخونة والمخربين، حتى يضغطون على الأصوات المتمردة ويطيحون لمعانها بالعنف والرصاص.
   

 
السيطرة على الإعلام
فإنه من يملك المعلومات يملك الميدان، فتجعل الفاشية سيطرتها قوية مضغطة على مراكز الإعلام، وتديرها بشكل جيد للغاية، يسترون الحقيقة في ظل البليارات التي تنصبّ من الشركات الدولية الكبرى، يمتلكون الانتخابات العامة بهذه الوسائل حتى تمنع الحقائق من مناظر الشعب والجمهور، وقد كانت الانتخابات البرلمانية الماضية خير دليل لهذه الطريقة الماكرة، حيث أدت حزب بهارتيا جنتا للسيطرة على الدستور والإدارة والمحكمة بتغيير جذري.

 

مصير الأمة في ظل هذه التقلبات السياسية

منذ البداية، تعرضت سياسة الأمة للخطر والتهديدات، لم تزل تطلعاتها تتأرجح ووتمايل، وتفاقمت عليها الضغطات الهائلة للتراجع من موقفها السياسي والانضمام إلى الجبهات التي تسودها التحركات المتعرية تماما من أهداف الأمة، هدفا لجلبها إلى الفوهة المنفجرة، وفي قريب من الأيام، جرت في الهند سلسلة من الاعتقالات العشوائية والوصمة الإرهابية، ومحاولات شتى لإضرام النار بين الطوائف المتناحرة، وكالعادة كان كبار زعماء المسلمين في عنوانها، كالشيخ ذاكر نايك والداعية الكبير أكبر صاحب في كيرالا جنوب الهند، وفي الصدفة الأولى نفهم بأن هدف هذه المشروعات المخططة التي رسمت في خارج الهند أساسا يهتم بكيان المسلمين في الهند، وهذه الصراعات والضجات والدماء المسفوكة والنعرات المزيفة من قبل متطرفي الهندوس لم تعد تذهب جفاء، بل هي تقصد روح المسلمين.

 

 

وقبل قليل من الأسبوع، تعرض شاب مسلم في عمر 16 لهجمات عنيفة في ولاية بنغال، شرقي الهند، كان القتل بشكل يندى له الجبين، تنكيل وتقتيل، وتعذيب وتقييد، لقد رآه العالم ببصمة بنانه، وكان الشاب المقتول ابن إمام جامع كبير في آصانول بنغال، لكن فضيلة الإمام "إمداد الراشدي" اتخذ قرارا يرفع بها هامة الهند تجاه هذه العملية الشنيعة التي قام بها بعض المتطرفين بفلذة كبده الذي لم يتجاوز 16 من عمره، لقد أعلن قائلا "ارجعوا وراءكم، فإني لا أريد الدم بالدم، وإن مضتيم في سبيل الانتقام سأستقيل من منصبي وأهاجر من هذه البلدة، وأتخلى سبيلي"، ومضت هذه الصرخة الهائلة بكل معنيات الأخوة، بكل التزامية الأمة نحو الدولة رغم الألاعيب المتكالبة على أنفسهم.
 
فالأمة المسلمة ظلت تتشبث بدستور الهند، وبرزت آخر أنفاسها لحماية الدولة فوق الضجات المرتفعة حولها، لأن المسلمين ماضيا وحاليا كانوا هم حماة أهل الدار، هم كانوا يذودون الذمار ويمنعون الدمار، ولم يبيعوا قضيتهم للعدوان الشرس بل مضوا بكل قوة في تحزم الوطن ورفع شعاره العالي، سيصمدون كما صمدوا، سيدمرون كل الممرات التي عبرت عليها الفاشية متكبرة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت شركة آبل أمس الاثنين أن منشآتها العالمية تعمل بالطاقة النظيفة بنسبة 100%، ويشمل هذا الإنجاز متاجر التجزئة والمكاتب ومراكز البيانات والمرافق المشتركة في 43 بلدا بينها أميركا والصين والهند.

تناول برنامج "مغتربون" مسيرة البروفيسور المصري مجدي بيومي رئيس قسم الهندسة الكهربائية والكمبيوتر بجامعة لويزيانا، والعالم بمجال الدوائر الإلكترونية الذي تخرج على يديه المئات في درجتي الدكتوراه والماجستير.

في مدينة القدس نحو 3000 نسمة من عشيرة الدوم الهندية التي استقرت في المدينة قبل نحو 500 عام، بعد شتات العائلة من موطنها الأصلي قبل ذلك بوقت طويل.

الأكثر قراءة