من المستهدف بالعدوان الثلاثي على سوريا؟

يخطئ من يظن أن العدوان الثلاثي، الذي شن صبيحة الرابع عشر من نيسان/ إبريل سنة 2018 على الأراضي السورية، يستهدف الدولة السورية، ويخطئ كذلك من يظن أن الدافع إليه إنما هو الانتصار لضحايا القصف الكيماوي من أبناء سوريا، فهذا العدوان في حقيقته يستهدف روسيا كقوة دولية تريد أن تفرض نفسها كقوة عظمى في العالم ينبغي أن يحسب حسابها، ولا يستحسن تجاوزها، وقد جاء لاختبار قدرة روسيا الفعلية على رد الفعل، وما تمتلكه من قدرات قتالية حقيقية، للدفاع عن نفسها وحماية مصالحها، ذلك لأن روسيا بمقدمها إلى سوريا وتحالفها مع الأسد ومساهمتها إلى جانبه في قتاله للمعارضة، وتشكيلها لتحالف ثلاثي مع إيران وتركيا، ومحاولتها تجاوز جنيف عن طريق لقاءات الأستانة وسوشي، استفزت بتصرفها ذلك القوى العظمى، التي كانت ولا تزال تعتبر منطقة الشرق الأوسط حديقة خلفية لها، فضلا عن أن لها فيها مصالحا كبرى، يعز عليها التفريط فيها، والتخلي عنها، فأمريكا لا تريد أن تُهدَّد مصالحها في الخليج، حيث تنتفع بأمواله ونفطه، كما أن فرنسا وبريطانيا تربطهما علاقة استعمارية قديمة بالمنطقة، ولهما فيها مصالح جمّة..
 
فكان لا بد من التوسل بأي ذريعة كانت للتواجد في المنطقة، والبقاء فيها، حماية لتلك المصالح ودفاعا عنها، ولهذه القوى العظمى حاجة ماسة للحد من التغول الإيراني والتمدد التركي، لم يترتب عن ذلك من أخطار مستقبلية، قد تنتهي بنفيها من المنطقة وطردها منها، في حال تحول الدولتين إلى قوتين إقليميتين، بل قد ينجم عن ذلك تهديد وجود إسرائيل ذاتها وهو الأمر الذي لا تريده القوى الثلاث الممثلة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ثم أن الرئيس الأمريكي الذي يرفع شعار "أمريكا أولا" له أجندته السياسية الخاصة التي يسعى لخدمتها من وراء هذا العدوان الثلاثي المنفذ، فهو يريد أن ينفي به ارتباطه بروسيا التي يروج أنه استعان بها في حملته الانتخابية، وليقطع بذلك الطريق على المحقق "مولر" الذي بدأ يضيق الخناق عليه من جهة، ومن جهة ثانية تحسين وضع الحزب الجمهوري، المقبل على الانتخابات عما قريب.
  
الدول العربية والإسلامية عليها أن تعتمد بالدرجة الأولى على قواها الذاتية في حماية مصالحها، وأن عليها أن تتحرر من التبعية للأجنبي، وأن تدرك مختلف القوى المتصارعة
ثم أن ترمب يصرّ على أن يظهر بمظهرِ الرئيس الأمريكي الصّلب والقوي والحازم، الذي لا يخيفه تهديد، ولا يرهبه وعيد، فمن الطبيعي أن لا يسكت عن تهديد روسيا برد قاس ومؤلم لأي ضربة أمريكية، فقام بضربته بعد أن احتاط للأمر بإشراك كل من فرنسا وبريطانيا في هذا العدوان، حتى إذا ما ردت روسيا كما وعدت، لم يكن وحده في مواجهتها، ولا يتحمل وحده أعباء حربها، فهذا العدوان هو ضربة محسوبة بدقة تامة.
 

وإذن فإن العدوان الثلاثي الذي استهدف سوريا لم يأت لينتصر لضحايا الكيماوي من السوريين، وإنما هدفه الحقيقي هو: فرض وجود القوى العظمى في المنطقة، وانتزاع حق الإسهام في تقرير مصير المنطقة. كما جاء هذا العدوان لإفهام روسيا أنها لا ولن تكون هي اللاعب الوحيد في المنطقة، وجاء أيضا لتنبيه كل من تركيا وإيران أنه ليسا لهما أن يعولا على حليفهما الروسي وأنه أضعف من أن يوفر لهما ما يطمحان له من دعم ومساندة.
   
وأخيرا وليس آخرا جاء ليؤكد للدول العربية في المنطقة عبر سوريا أنه من غير المسموح لهم التفكير في التملص من العلاقات والوشائج التي تربطهم بأمريكا وأوروبا، وأن لا حليف يمكنه أن يحميهم من بطش القوى الممثلة لها.

 

يبقى أن الذي يعنينا من هذا السناريو كله، أن الدول العربية والإسلامية عليها أن تعتمد بالدرجة الأولى على قواها الذاتية في حماية مصالحها، وأن عليها أن تتحرر من التبعية للأجنبي، وأن تدرك مختلف القوى المتصارعة سواء تلك التي على الأرض، أو تلك التي تؤجج الصراع من وراء الستار، لن تتورع عن الامتناع عن نصرتها في الساعة الحرجة، خدمة لمصالحها، وحماية لوجودها، فها هي روسيا التي كانت تهدّد وتتوعّد بالرد القاسي على أي عدوان أمريكي، تمتنع عن الرد عليه مخافة أن يتولد عن ردها حرب لا قبل لها بها، ذلك هو أهم درس يستفاد من موقف روسيا من هذا العدوان، فهل يعيه العرب ويعملوا بمقتضاه؟ 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الرئيس التركي إن المساحات التي أصبحت آمنة بسوريا بفضل درع الفرات وغصن الزيتون مهمة ولكنها ليست كافية، مؤكدا أن بلاده مجبرة على تحويل المناطق السورية الحدودية معها لمناطق آمنة.

الأكثر قراءة