ما رأيناه فقط.. لا ماسمعناه أو قيل لنا

أوغست كونت عالم اجتماع وفيلسوف اجتماعي فرنسي، أعطى لعلم الاجتماع الاسم الذي يعرف به الآن، عاصر تقدم العلوم والاكتشافات في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ربما كان هذا أحد الأسباب لطرح قانونه المشهور المسمى "قانون الحالات الثلاث" هذا القانون هو الذي أبرز فيه كونت المراحل الأساسية التي تمر منها المجتمعات، حيث قسمها لثلاث مراحل:
 
الأولى المرحلة اللاهوتية: هي المرحلة التي يلجأ فيها الإنسان إلى الخيال والخرافات لتفسير الظواهر فينسبها إلى قوى خفية فوق طاقة البشر أو ردها إلى إرادة الإلهة كإله المطر وإله الشر.
  
الثانية المرحلة الميتافيزيقية: هي المرحلة التي يحاول فيها العقل البشري البحث في جوهر الأشياء لكن الطريقة لا تختلف كثيرا عن المرحلة اللاهوتية فهي تفسر معظم الظواهر بإرجاعها إلى قوة معينة غير طبيعية، ولعل مثال التطَيُّر يوضح أكثر، فقد كان العرب قديما يشتهرون بهاته العادة، يذهب الفرد منهم إلى الخلاء فيأخذ بحجارة متجهاً إلى النخيل، وحال وصوله إلى النخلة المحددة التي يعشش الطير على قمتها يقذف بحجارته فتُذعر الطيور وتهرب، وبناءً على اتجاه طيرانها تُرسم في مخيلة العربي المسكين طبيعة يومه، فإذا اتجهت الطيور إلى اليمين ينظر على أن هذا فأل خير أما إذا اتجهت إلى اليسار فذاك نذير شؤم.

الثالثة المرحلة الوضعية: المرحلة التي يبلغ فيها التفكير الإنساني الكمال العلمي متبعا النموذج والمنهج العلمي الذي لا يُضيع وقته في البحث عن علل أخرى فيدرك بعدها حقيقتين، أولا لا يمكن تفسير الظواهر ميتافيزيقيا، ثانيا ليس من مقدور الإنسان الوصول إلى تفسيرات مطلقة عن أصل الأشياء.

 

كانت مشكلة عصر أبو حنيفة أن نسق الحياة سريع، وقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعت أبي حنيفة إلى ابتكار فكر جديد يتمشى بل ويتخطى نسق الحياة السريع أسماه بالفقه التقديري أو الافتراضي

الغريب في الأمر أننا اليوم في القرن الواحد والعشرين، إلا أننا بعيدون كل البعد عن المرحلة الوضعية والعلمية، هذا ليس غريبا مدام هناك من ينكر كروية الارض ويؤمن بسطحيتها او من يؤمن بالإعجاز العلمي وينكر نظرية التطور، وحتما ستكتشف أنه لا يفهما أصلا، فغالبية من ناقشتهم في الأمر يظنون أن فكرة النظرية الأساسية هي أن أصل الإنسان قرد، وللتوضيح فهي تغيرات على المستوى الجيني (طفرات) تنتقل وتتراكم عبر الأجيال (منذ أول خلية إلى ما نشاهده اليوم من مخلوقات تفرعت عنها) فتحدث تطورات صغيرة على المدى القريب نسبياً وجذرية على المدى البعيد (المليوني).

 

حسنا طالما أنك تؤمن بالإعجاز العلمي وبسطحية الأرض وتنكر التطور، لماذا لم يكتشف عباقرة المسلمين هذا، كابن الهيثم ابن سينا وابن النفيس، لماذا لم يبنوا هؤلاء اكتشافاتهم ونظرياتهم على آيات أو أحاديث بل اعتمدوا على المعرفة والتجربة رغم أنه يُشهد لهم بالتدين وحفظ القرآن والأحاديث والترعرع على العلوم الشرعية منذ الصغر، وقد أقروا أغلبيتهم إن لم يكن كلهم على كروية الأرض رغم عدم وجود الدلائل التي نملكها نحن اليوم، أما التطور فقد كان العلماء المسلمون من الأوائل الذين مهدوا الطريق لتطورها، على سبيل المثال، قدّم "الجاحظ" فكرة متكاملة عن التطور من خلال كتابه "الحيوان" حيث أوضح تأثير البيئة على فرصة بقاء الحيوانات فقال في إحدى الفقرات "باختصار لا يمكن لأي حيوان أن يبقى دون غذاء، كما لا يمكن للحيوان المفترس أن ينجو من أن يُفترس هو بدوره أيضاً، أي أن الله جعل من بعض المخلوقات سبباً في حياة مخلوقات أخرى، وبدورها، تصبح تلك المخلوقات سبباً في موت المخلوقات الأولى"، اما ابن خلدون فقد قال، "إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض".
 
شتان بين ما نحن عليه اليوم وبين نظرة عباقرة التاريخ للأمور، ولاشك أن أبو حنيفة لا يقل عن هؤلاء قيمة، نعم أبو حنيفة أول الأئمة الأربعة عاش ما بين 80 و150 هجرية، كانت مشكلة عصره أن نسق الحياة سريع خاصة أنه كان ببغداد عاصمة الخلافة فقد كانت تحضن العديد من الثقافات المختلفة، وقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعت أبي حنيفة إلى ابتكار فكر جديد يتمشى بل ويتخطى نسق الحياة السريع أسماه بالفقه التقديري أو الافتراضي، فأنشأ أكاديمية علمية جمع فيها 40 عالما من كافة العلوم المتخصصة ليَدرُسَ احتياجات البشرية لمدة لا تقل عن ثلاتين سنة مستقبلا ويقدم حلولا وإجابات لها، وخلال مدة اجتهاد بلغت 40 سنة استطاع ابو حنيفة خلالها تقديم 20000 فكرة افتراضية تقدم حلول للمشاكل المستقبلية، وقد كانت إحداها، "إذا كان الفرد خارج كوكب الأرض ويريد الصلاة فأي الاتجاهات يتخذها قبلة"، نعم أبو حنيفة قبل مئات السنين فكر فاحتمالية بلوغنا الفضاء، أما نحن اليوم ننظم مؤتمرات مليئة بقنينات المياه المعدنية عن مؤامرة وكالة ناسا للفضاء.

  

 

العلم والدين، عملتان مختلفتان تماما فلكلٍ منهما هدف ومنهجية تميزه على الآخر لذا فإن كفر وإيمان وأخلاق ونزوات العالم أشياء لا تهم ولا تأخذ بعين الاعتبار عند دخوله المختبر أو تحريره لورقة علمية، وكذلك نبوءة الشخص، واضرب مثلا بقصة الرسول في معركة بدر حينما أقام مخيم الجيش على منطقة لم تكن قريبة من برك الماء على عكس الأعداء، فقام إليه اثنان من الأنصار وسألوه هل فعله هذا نابع من وحي أو من قرار شخصي يبتغي به مصلحة عسكرية، فأجابهم "بل هي الحرب والخدعة والمكيدة" أي إنه قرار شخصي، فقالوا له "فما هذا بمنزل" بمعنى أنهما لم يوافقاه الرأي، ماذا ماذا! كيف لهؤلاء أن يشككوا في قرارات النبي لابد أنهما خائنان، انتظر برهة لترى ردة فعل النبي، فقد سألهما ماذا نفعل، فأشاروا إلى نصب الخيام في منقطة قرب أبار الماء وأن يحفروا ليتسرب ماء الأعداء إليهم قائلين "فنشرب ولا يشربون"، فوافق النبي وأشار إلى استهلال العمل، نعم عقلية تفرق بين ما يؤمن به المرء وبين الواقع استطاعت الوصول إلى قمة الازدهار والتقدم أما نحن لا داعي للتفكير فالماسونية ستفشل خططنا عاجلا أم آجلا.

 

أخيرا أريد أن اختم بما قاله جابر بن حيان في كتاب الخواص الكبير: "وإننا نذكر في هاته الكتب من الخواص ما رأيناه فقط، لا ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه. بعد أن امتحناه وجربناه. فما صح أوردناه وما بطل رفضناه. وما استخرجناه نحن أيضا قايسناه على أحوال هؤلاء القوم".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة