كافئ مرْؤوسيكَ بِفَعالِيَّة

كان هناك رجل يصطاد السمك على قارب صيد صغير يقف في وسط بحيرة هادئة في وقت جميل من بداية شروق الشمس، قد أطفأ هاتفه ليستمتع في اللحظات التي يعتبرها من أسعد اللحظات لديه وهو يأكل بعضاً من قطع الحلوى. فجأة… شاهد ثعبان في الماء وفي فمه ضفدع، شعر بحزن وأسى على هذا الضفدع، فأمسك بالثعبان وأنقذ الضفدع ورماه في الماء. أشفق الصياد على الثعبان بأنه أفسد عليه صيده وقد يكون بحاجة له ليسد جوعه، فأعطى الثعبان قطعة من الحلوى وألقاه بعدها في الماء. كان الصياد سعيدا جدا بأنه ألقى السعادة على الضفدع والثعبان وعلى نفسه في هذا اليوم المشرق الجميل. ألقى الصياد سنارته في الماء، وما لبث إلا قليلاً حتى سمع صوت ارتطام بقاربه، فنظر الصياد عن يمينه حتى وجد الثعبان عينه وفي فمه ضفدعان.

إن مغزى هذه القصة هو أن على القائد أن يعي بمن يكافئ وعلى ماذا، فكلما كان هناك مكافأة فاعلم بأن الأمر سيتكرر حصوله مرة أخرى من الطرف الآخر. فالقائد الحقيقي عندما يكافئ مرؤوسيه فهو لا يُعَبِّر لهم عن شكره بأنهم فعلوا الصواب في إنجاز عملهم فقط، بل إنه يلهمهم ويحثهم للعمل بكفاءة وفعالية أكثر، ويشعرهم في راحة أكثر في مزاولة أعمالهم، وإشعارهم بالأمان الوظيفي في المنظمة التي يعملون فيها والاستمرار في بقائهم لمزاولة أعمالهم.

إن المرؤوسين ينتظرون من قائدهم أن يكون لهم قدوة حتى يحذوا حذوه، كما قال ديفيد رادين مدير تنمية إدارة معهد ديل كارنيغي لتدريب المديرين في الولايات المتحدة: "أنت لا تصبح مديراً بسبب منصبك، ولكنك تصبح مديراً لأن الآخرين يريدون أن يحذوا حذوك". على القائد بدل من أن يركز على كيفية الإدارة والتشغيل عليه أن يركز أكثر على الجانب الإنساني لمرؤوسيه وكيفية التعامل معهم.

قد يتمكن القائد من توفير مرؤوسين أكفَّاء برواتب قليلة لا ترقى لفكرهم ولا لمؤهلاتهم، ولكن في النهاية لن يجد في منظمته سوى المرؤوسين الذين سيضعفون المنظمة ككل

وما أكد عليه جون سي. ماكسويل خبير القيادة العالمي أن القائد عليه أن يقدم المديح للموظف في العلن وعلى انفراد. قال بيلي هورنسبي المنسق الأوروبي لـ إيكويب: "لا بأس أن تدع مرؤوسيك يتألقون لأنهم إذا لِمعوا بدرجة كافية سينعكس ذلك بالإيجاب عليك". والمديح يجب أن يكون على انفراد بداية، حتى يشعر الموظف أنه مميز فتزيد بذلك ثقته بنفسه، وتزيد فعاليته وحرصه على العمل. ولا يقف القائد على المديح فقط بل عليه أن يقدم المال أيضا كمكافأة على النتائج المحققة من قبل مرؤوسيه، فكما يقال: "إذا مدحت بدون زيادة رواتبهم، فلن يسدد ذلك فواتيرهم، وإذا زدت رواتبهم بدون مدحهم، فلن يداوي ذلك جروحهم". وعلى القائد أن يعرف جيداً، أن من يكلف المنظمة من مبالغ طائلة ليسوا هم من يتقاضون أعلى الرواتب، بل هم من يقومون بأعمال لا ترتقي بمستوى رواتبهم التي يتقاضونها. 

وأما بالنسبة لطريقة المكافآت، فليس من عدل القائد مكافأة من يحقق نتائج مضاعفة عن زميله الآخر في العمل بالتساوي، فهذا إجحاف في حق الشخص وتثبيطاً للعزائم. يقول ميك ديلاني: "إن أي عمل تجاري أو صناعي يدفع مكافآت متساوية لمحدودي الكفاءة والمتميزين، سينتهي به الأمر إن عاجلاً أو آجلاً بعدد من محدودي الكفاءة أكبر من المتميزين". ولكن في بعض الأحيان يكون هناك القليل من الحرية أو الصلاحية للقائد في صرف بعض المكافآت المالية، هنا يستطيع القائد أن يقدم بعض المزايا حتى لو على حسابه الخاص، مثلا بأن يقدِّم موقف سيارته للموظف لمدة أسبوع، تقديم تذاكر مجانية لمباراة ما أو أحد دور السينما، تعريف الموظف على أحد أصدقاء القائد أصحاب رجال الأعمال مما يشعر الموظف أنه يستحق وجوده بين هؤلاء القادة العظام، أو حتى تقديم ما يميز عائلة الموظف.

لقد تعطل نظام للكهرباء في أحد المؤسسات التي كان عليها أن تصدر منتج خلال أسبوعين كحد أقصى، ويجب أن يتم تصليح هذا النظام خلال أسبوع، وهذا يتطلب وجود أحد المرؤوسين بشكل مستمر مع العمال طيلة أسبوع كامل حتى يتم إرجاع الأمور إلى نِصابِها. قام أحد المرؤوسين بذلك وبشكل ينم على كفاءته وحرصه على مصلحة المؤسسة.

 

أراد القائد أن يكافئه بعد أن تم إنجاز ما تم الطلب منه خلال أسبوع الإجازات والأعياد التي كان من المفروض أن يقضيها هذا الموظف مع عائلته. فاجأ القائد الموظف بأن طلب منه أن يحضر طفله في الاجتماع المقرر للعاملين، فجلس هذا الطفل على حضن والده وهو يلعب بالأقلام. وقدَّر هذا الموظف هذه المكافأة حيث قال: "إن المكافآت رائعة، والهدايا ممتازة، لكن ذلك الصباح الذي شعرت بالتقدير لتضحياتي من خلال أسرتي عَنى لي أكثر من أي شيء آخر".

إذا كان هناك اختيار من بين أن تُرقِّي موظف من داخل المنظمة أو أن تعمل على توظيف شخص آخر جديد من خارج المنظمة، وكلا الخيارين بالنسبة لاحتياجات المنظمة متساوية، فالأفضل أن يقوم القائد بترقية الموظف من داخل المنظمة. وكأن لسان حاله يقول للموظف: "إنك تستحق هذه الترقية لحسن أداءك وكفاءتك في العمل، وأنا أعتقد أنك تستطيع أن تقوم بهذه الوظيفة الجديدة بأفضل مما كنت عليه في السابق". ولن يعترض أي موظف على ذلك مادام هذا الموظف الذي تم ترقيته كان فعلاً منجزاً لأعماله وعقله متفتح للتغيير ومسك الأمور بشكل احترافي وعلى مرئي من الجميع.

قد يتمكن القائد من توفير مرؤوسين أكفَّاء برواتب قليلة لا ترقى لفكرهم ولا لمؤهلاتهم، ولكن في النهاية لن يجد في منظمته سوى المرؤوسين الذين سيضعفون المنظمة ككل. يجب على القائد معاملة مرؤوسيه ليتم الحفاظ عليهم بنفس الكفاءة والفعالية وعدم الحد من إطلاق الأفكار المبتكرة لتحقيق أهداف المنظمة. عليه أن يوازن بين العطاء وقيمة الموظف الفعلية، فكلما زاد القائد من تقييم وزيادة رواتب مرؤوسيه لمن يستحقها، زاد ذلك بقاءهم وزيادة إنتاجهم. وكلما بَخَّس من تقييمهم في إعطائهم الرواتب التي لا تقدِّر أعمالهم، فهذا سوف يقلل من احتمالية بقاءهم ويَبْقى من لا تستطيع المنظمة من تحقيق أهدافها في وجودهم.

القائد الناجح يستطيع الارتقاء بالموظف بتشجيعه وتقديره بشكره والتعبير عن امتنانه بإنجازاته وكفاءته في عمله
 

ولذلك على القائد أن يطبق قانون الميزان ذو الكفتين، إذا ما وضع موظف صاحب كفاءة في كفة، عليه إذا أن يضع ما يكافئه من أجر في الكفة الأخرى حتى يوازي كلا الكفتين. فإذا أخل الميزان في أية منظمة إن كان إعطاء أجور عالية لمن لا يستحق أو أجور منخفضة لمن يستحق أكثر من ذلك، فليعلم أنه بذلك سوف يَشْهَد موتاً بطيئاً للمنظمة. وليعلم أن أهم ما يقوم به هو تحقيق الأهداف والرؤى للمنظمة وليس تقليل أجور أصحاب المهارات.

ومما يساعد على تحفيز الموظف هو مكافأته على تحسين مهاراته في إعطائه الدورات اللازمة التي يحتاجها حتى يقوم في عمله على الوجه المطلوب، فيكون هو الواجهة الأمامية لسمعة الشركة ونقل صورتها للعملاء المرتقبين، وفي نفس الوقت يعمل بكل فاعلية وإخلاص حينما يرى أن منظمته تسعى إلى تطوير مهاراته وزيادة كفاءته في إكسابه ما يطور به عوامل النجاح له ولها. وهذا أفضل بكثير من عملية تحفيزه عن طريق ضغطه في العمل في تحديد عدد من العملاء والمبيعات في نهاية كل فترة.

 

لقد دفعت إدارة بنك ولز فارغو الأمريكي العالمي درساً لا يُنسى عندما طَبَّقت نظاماً صارماً على المرؤوسين للوصول إلى أعداد معينة من العملاء، حتى أدى هذا الأمر على ضغط المرؤوسين فبدأوا في فتح حسابات وهمية لعملاء مما اضطر البنك على دفع مبلغ 110 ملايين دولار للعملاء الذين تعرضوا لمثل تلك المواقف.

وفي نهاية الأمر، على القائد أن يُكِن الاحترام للموظف وحتى لو أنه كان مقصراً في عمله، فهذا لا يقلل من شأنه وقيمته كإنسان عليه أن يُعامل باحترام وأدب وكرامة. وعلى القائد أن يَصْبِر على أداء الموظف حتى يصل إلى مراحل متطورة في الأداء والعِلم والمعرفة فيما يقوم به ما دام يرى فيه الأمل.

 

فالقائد الناجح يستطيع الارتقاء بالموظف بتشجيعه وتقديره بشكره والتعبير عن امتنانه بإنجازاته وكفاءته في عمله. وعليه أن يعامله ليس كما هو حاله الآني، ولكن على ما سوف يكونه في المستقبل من مكانة وركيزة مهمة في المنظمة. وهكذا سوف تتحسن علاقة هذا الموظف مع قائده ويتحسن إنتاجه، ويرتقي إلى اكتشاف قدراته الكامنة التي سَتُسْعف المنظمة في تحقيق أهدافها ورؤيتها. وفي نهاية المطاف، على القائد أن يركز على العطاء وما يمكن أن يقدمه لمرؤوسيه، وليس ما يريد أخذه منهم، فكلما قدَّم القائد المزيد فسوف يأخذ المزيد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رغم تأكيد قيادات ومسؤولين بارزين بالشرق الليبي أن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بصحة جيدة ويخضع لبعض الفحوصات الاعتيادية بباريس، لا يزال الغموض يكتنف وضعه الصحي ومصيره الذي بات مثار اهتمام.

وصف المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي الرئيس ترمب بأنه كذوب وغير مؤهل من الناحية الأخلاقية لكي يكون رئيسا للولايات المتحدة. ورجح أن لدى روسيا ما تبتز به ترمب.

تبدأ المحكمة العسكرية شرق القاهرة اليوم الاثنين أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة. وقال رئيس فريق الدفاع إنه سيطلب التأجيل للاطلاع على التحقيقات.

الأكثر قراءة