متى نصر الله؟

سؤال يتداوله المسلمون في كل مكان ومنذ سنوات طوال. وبالرغم مما تحمله نفوسنا من همٍّ لما وصل إليه حال المسلمين؛ سواءً من أصابهم القرح، أو من لم يصبهم بعد. وبالرغم من أنني امرؤ من قومي، إلا أنني لا أرى ما يراه كثيرون من عدم تدخُّل الله لرفع الظلم عنا؛ لأنني أرى أن الأمر سببه نحن وليس ربنا سبحانه. لو أن أحداً قرر الاشتراك في لعبة تنس مثلاً، ثم وجد الحكم يحتسب عليه نقاط الكرات التي يصيب فيها منافسه أرض ملعبه دون أن يستطيع ردها، فيما يحتسب عليه نقاط عدم رميه للإرسال داخل المنطقة المحددة لذلك في الملعب، حين وجد الحكم يفعل ذلك، هل له حق الاعتراض؟  بالطبع لا؛ فطالما أنه اشترك في هذه اللعبة؛ فعليه الالتزام بقوانينها وقواعدها. 

 

لله دوماً المثل الأعلى، لقد وضع الله لنا قواعدَ تحكم تأييده ونصره لنا، وطالما نحن لم نلتزم بهذه القواعد فليس من حقنا أن نطلب تأييده تعالى. لننظر إلى حال المسلمين اليوم: الكل يألم، والكل يحزن، ولا يملك المسلمون -إلا من رحم ربي- إلا دمعاتٍ يذرفونها كمداً، وأيدٍ عاجزةً كلَّةً ترتفع بدعاءٍ إلى الله، لكنه دعاء العاجز، وليس دعاء الباذل العامل.
أهذه أمةٌ تستحقُّ أن ينصرها الله تعالى؟
بل: أهذه أمةٌ تستحق أن لا يغضب ربها عليها؟

 

أعتذر عن قسوة مقالي، ولكنها الحقيقة المرَّة التي علينا أن نراها بجلاء. لا أتهم أحداً، ولا أدَّعي أن الأمة ليس فيها خير، بل الخير ما زال فيها، لكنه خيرٌ فرديٌّ لا خيراً جماعيًّا، والإصلاح العام والنصرة يأتيان للأمة لا للأفراد. كما أنني لا أبرئ نفسي، فما أنا إلا امرؤٌ من قومي، فيَّ ما فيهم. إن ما يصيب المسلمين اليوم هو ابتلاء، ولكن الابتلاء ليس كما نفهمه دائماً أنه للتمحيص وتنقية النفس، بل أحياناً يكون عقاباً على التقصير والتفريط، فنُبتَلى بسبب ذلك. وحتى نفهم الابتلاء على حقيقته؛ أقول: إن الابتلاء قسمان: ابتلاء التقصير، وابتلاء التمحيص.

  

ابتلاء التقصير
ابتلاء التمحيص هو الابتلاء الذي ورد ذكره في آيات كثيرة في القرآن الكريم، وهو سنة من السنن الكونية التي قررها الله تعالى على أتباعه في كل عصر وأوان

يقول الإمام ابن تيمية: "ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله آيةٌ ولا حديثٌ يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضيٍّ مقدَّرٍ من أفعال العباد، حسنِها وسيئِها، فهذا أصل يجب أن يُعتنَى به". وهذا هو الأصل، أن لا نُحمِّل الله مسؤولية أعمالنا، فرضاؤنا بقضاء الله الناتج عن تقصيرنا، واستخدامنا لألفاظ مثل: "قدَّر الله وما شاء فعل" و"خيراً إن شاء الله" وغير ذلك بعد أن نكون قد فرَّطنا، كل ذلك رضاءٌ كاذب؛ فالرضا يكون حين نستنفذ الأسباب ولا نحصل على ما كنا نروم، عندها يحقٌّ لنا أن نرضى بما بقدر الله، لكن أن نقصِّر ونهمل ونفرِّط، ثم نحمل ذلك كله على أنه قضاء الله وقدره، فما هو من الدين في شيء.

 

إن هذا المنطق يصادم التصور الإسلامي حول التكليف وتحميل الأمانة، فمسؤولية الإنسان واختياره ينتفي معهما تحميل الله نتائج أفعالنا، وإلا فلن يكون هناك مبرر للثواب والعقاب، طالما انتفت حرية الاختيار. وهذا ما أكده القرآن الكريم؛ قال تعالى:  "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، وفيها يقول الإمام القرطبي: "أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يقع منهم تغيير". وقال تعالى: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قال الإمام الطبري: "يقول: بما عصيتم". وليس بعاقلٍ مَن يدَّعي حينئذٍ أن هذه النقمة وتلك المصيبة هي قدر الله الذي علينا الرضا به، بل هو العقاب الذي علينا المسارعة إلى تصحيح أخطائنا حتى يرفعه الله عنا. والنصوص في هذا المعنى غير ما سبق كثيرة، يمكن استقصاؤها في القرآن الكريم.

 

ابتلاء التمحيص

هو الابتلاء الذي ورد ذكره في آيات كثيرة في القرآن الكريم، وهو سنة من السنن الكونية التي قررها الله تعالى على أتباعه في كل عصر وأوان، قال تعالى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ". ولا يُفهَم من هذا أن الابتلاء إنما يكون بحرب وقتال الأعداء فقط، وإنما الابتلاء في كل شيء، وبأية طريقة، يقول الإمام الطبري في شرحه للآية السابقة: "أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتَلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة والضراء، وهي العلل والأوصاب؛ ولم تُزلزَلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا".

 
وقد وضح ذلك في قوله تعالى: "الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"، يقول الإمام الطبري: "(يفتنون): أي يُبتَلون في أنفسهم وأموالهم. وذلك الابتلاء الذي قرره الله تعالى إنما قرره لحكمٍ عظيمة؛ وإلا فالله تعالى ليس بعاجزٍ عن أن ينتصر للمؤمنين، قال تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم). 

 

لمقياس الفارق بين ابتلاء التقصير وابتلاء التمحيص هو "الأخذ بالأسباب"؛ عندما نأخذ بالأسباب كاملة ثم يأتينا الابتلاء، عندها يكون اختباراً وتمحيصاً، وعندما نقصر في أعمالنا، عندها يكون الابتلاء عقاباً وسوءَ عاقبة

قال الإمام الطبري: "لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بيَّن هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة، وكفاكم ذلك كله، ولكنه تعالى ذكر كره الانتصار منهم، وعقوبتهم عاجلاً إلا بأيديكم أيها المؤمنون ليختبركم بهم، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوهم بكم". ويقول الأستاذ سيد قطب: "وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النفس البشرية من طاقات واتجاهات؛ فليس أكرم في النفس من أن يعز عليها الحق الذي تؤمن به، حتى تجاهد في سبيله، فتقتُل وتُقتَل، ولا تسلم في هذا الحق الذي تعيش له وبه، ولا تستطيع الحياة بدونه، ولا تحب هذه الحياة في غير ظله. ويريد ليربيهم، فيظل يُخرج من نفوسهم كل هوى وكل رغبة في أعراض هذه الأرض الفانية، مما يعز عليهم أن يتخلوا عنه، ويظل يقوي في نفوسهم كل ضعف ويكمل كل نقص، وينفي كل زغل ودخل، حتى تصبح رغائبهم كلها في كفة، وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد، والتطلع إلى وجه الله ورضاه، فترجع هذه وتشيل تلك، ويعلم الله من هذه النفوس أنها خُيِّرت فاختارت، وأنها تربت فعرفت".

  
صحيحٌ أن الابتلاءات تميز الصفوف وتكشفها، وأن الدعوات التي تنتصر هي تلك التي مرَّ أفرادها بمراحل الابتلاء والتمحيص وجاوزوها وما ثَمَّة انحراف، وثبتوا وما ثَمةَّ تنازل، وعقدوا العزم على أن يمضي الكل في هذا الطريق ولا يتخلف أحد أو يتقهقر واحد، وجهتهم رضى الله سبحانه، لقوا الله على ذلك، وما بدَّلوا ولا غيَّروا؛ فإذا تحقق ذلك، كان لهم العون والمدد والنصر من الله، فيُشفي صدور المؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم. كل ذلك صحيح حين يكون الابتلاء ابتلاء تمحيص، لكنه يختلف -ولابد أن يختلف- حين يتعلق الأمر بابتلاء التقصير؛ فنصر الله لن يتحقق إلا إذا زال هذا التقصير وانمحى، وحلَّ مكانه الالتزام والبذل والعطاء. 

 

إن المقياس الفارق بين ابتلاء التقصير وابتلاء التمحيص هو "الأخذ بالأسباب"؛ عندما نأخذ بالأسباب كاملة ثم يأتينا الابتلاء، عندها يكون اختباراً وتمحيصاً، وعندما نقصر في أعمالنا، عندها يكون الابتلاء عقاباً وسوءَ عاقبة. ولا يقولنَّ قائل: "وما ذنب المستضعفين؟"؛ لأن قانون الله هو ما أخبرنا به الحديث: عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوماً فزعاً يقول: "لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه"، وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخَبَث" رواه البخاري ومسلم. 

 

وقد كثر اليوم في أمتنا الخَبَث، فوجب أن نصلح أنفسنا حتى لا نهلك. قد عرفنا العيب والخطأ، فوجب أن نسعى لعلاجه؛ فلنبدأ العمل، والعمل لو نعلم كثير، إنه في بناء الذات وتفعيلها تمام التفعيل؛ فهل بنينا أنفسنا وربيناها كي تكون مهيأة لنصر الله؟ إن العاجز ليس من لا يفعل، إنه من لا يملك إرادة الفعل، فهل نملكها نحن؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه لم يعلن الحرب على النظام السوري، وإن الضربات الغربية لسوريا عمل مشروع، مشيرا إلى أنه أبلغ الرئيس الروسي بأن روسيا شريكة باستخدام الأسلحة الكيميائية.

أكد البيت الأبيض إصرار الرئيس دونالد ترمب على سرعة عودة القوات الأميركية من سوريا، وذلك بعد إعلان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه أقنعه بالحفاظ على وجود أميركي هناك.

الأكثر قراءة