في سوريا تكشف العورات

كنا مسافرين إلى طنجة في ربيع سنة 2011 وتزامن ذلك مع الشهور الأولى لخروج الجماهير العربية للشوارع للمطالبة بالديمقراطية وإعلان فشل النظم العربية الرسمية، ومن ضمنها بالطبع الشعب السوري الذي خرج في كل المدن السورية للاحتجاج على نظام بشار الأسد، ونظامه المستبد، وكنا نتبادل أنا ومجموعة من الأصدقاء الذين جمعني بهم طريق السفر أطراف الحديث حول مآلات هذه الثورة الجبارة، واستحضرنا مواقف تاريخية، إذ طاف حولنا طيف مجزرة حماة وشهدائها الذين سودوا تاريخ الأسد الأب وحجز بها وبغيرها من المجازر مكانا في لائحة الأنظمة السياسية القائمة على القتل والاجرام.

 

ومر من أمامنا مشهد وقوف الأسد الأب مع إيران في حربها مع صدام حسين، واستماتة نظامه في الدفاع عن حزب الله ومده بالسلاح والدعم، وكذا وقوفه مع حماس ومواقفه المتوفقة على غيره من أنظمة العرب البئيسة، وهذه المواقف كانت تحظى باحترام الكثيرين، وكذا تجارة عائلة الأسد والمقربين منها في توريد وتهريب السلاح، وغيرها من المواقف، ورأى بعض الأصدقاء أن أيام الأسد ونظامه أصبحت معدودة، وأسهب في حشد حججه على ذلك، وبالنسبة لي لم أكن أعتقد أن النهاية ستكون بهذه السهولة، وقلت لأصدقائي لا أتصور أن هذه الأحداث سننتهي حتى بعد عشر سنوات، استغرب الجميع ما قلته، وقد قلت ما قلت في بداية زمن الربيع الديمقراطي الذي أطاح ببنعلي ومبارك والقذافي، ولا زالت تتفاعل أحداثه.

 

سينتصر الشعب السوري، سيرحل الأسد طوعا أوكرها، فتنفق الأنظمة الرجعية المستبدة كما تنفغق البهائم، ثمة إرادة فوق كل الإرادات، ومكر فوق كل مكر

لكن مع توالي الأحداث وجنوح بعض قوى الثورة للسلاح، وعدم تردد النظام الوحشي النصيري في القتل وسفك الدماء، وتحول سوريا إلى حلبة للصراع بين القوى الكبرى وأدواتها الاقليمية، بدأت السنوات تأكل بعضها، وبدأ الشهداء يتساقطون، وبدأت حسابات كثيرة تساقط من أيدي كثير من الأنظمة، وبدى أن الشام ما زالت وفية لعهدها مع السيف والقهر والاستبداد، لما لا وهي مهد الاستبداد الأموي، الذي آمن دوما أن السيف أداة تقويم، وأداة فرض بيعة الأمر الواقع.
 
في ذلك الزمن لم يستثني السيف الأموي الهمجي كبار الصحابة ولا كبار العلماء بل أوغل في دماء العترة النبوية الشريفة، وها هو التاريخ يعيد نفسه، مع أسد الغابة السورية، الذي لم يحد يوما عن نهج يزيد وابن زياد والحجاج، مع فارق كبير هو أن هذه الأصناف كانوا يواجهون العدوان الخارجي بنفس الحدة، أما الأسد على الشعب النعامة مع العدو، فهو لا يتردد في قتل شعبه ببشاعة متناهية، لكن مع ضعف وجبن لا مثيل لهما في ما يتعلق بالضربات الصهيونية، والتدخل الروسي والإيراني السافر.

 

لقد كشفت الثورة السورية عورات الجميع وفضحت كل المتلاعبين بمستقبل ومصير الشعب السوري فكشفت سوءة:
– عورة النظام المستبد العاجز عن حماية شعبه وسيادة وطنه، رغم ما يدعيه من الدفاع عن السيادة والوطن والمقاومة، والشرف العربي وغيرها من الشعارات الكاذبة التي لم يعد هناك من يصدقها.
-عورة ثوار التلفزيونات والفنادق الذين لا يمتلكون رؤية لمستقبل وطنهم، مجموعة من المهرولين الذين وضعوا أنفسهم في خدمة أجندة ومصالح الدول التي جعلت من سوريا مجالا لتصفية الحسابات.

   

 

-عورة الأنظمة العربية الرجعية التي فتحت أمام العدوان الخارجي بابا نحو حدودها وعلى رأسها السعودية التي أصبحت أضعف مما كانت عليه، وقربت لحظة ذبحها بعد أن يجف ضرعها، ولا أدل على ذلك من ازدياد ابتزاز الامريكان والدول الغربية للحصول على مزيد من الأموال السعودية، واستعداد "ولي العهد" لتقديم كل ما يلزم لتنصيبه بعد والده.
 
-عورة القوى الكبرى أمريكا وروسيا وهمجيتهما وعدم جدارتهما الأخلاقية في قيادة العالم، خاصة بعد نفاقها في ما يتعلق باستخدام السلاح الكيمائي، وراى العالم حجم التلاعب الصبياني بين هاتين الدولتين.
-عورة الاعلام الذي يرقص على كل الحبال خاصة إعلام الأنظمة المناوئة للربيع الديمقراطي، الممول من أنظمة البترودولار.
 
سينتصر الشعب السوري، سيرحل الأسد طوعا أوكرها، فتنفق الأنظمة الرجعية المستبدة كما تنفغق البهائم، ثمة إرادة فوق كل الإرادات، ومكر فوق كل مكر، ونصر يتوجه الله العاملون للعدالة وإحقاق الحق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة