عن كتاب "فكرة حقوق الإنسان"

يسلط كتاب "فكرة حقوق الانسان" لمؤلفه تشارلز آر بيتز الضوء على بدايات فكرة حقوق الإنسان ومساراتها المختلفة، وقد قام بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية المترجم المصري شوقي جلال عن سلسلة عالم المعرفة، والتي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.
 
حاول تشارلز آر بيتز الإحاطة بفكرة حقوق الإنسان عبر مراحل تطورها، ودلالتها ومدى فعاليتها في الواقع العالمي، وتشكل فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فترة حاسمة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، خصوصا بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 دجنبر 1948، وأضحى العالم يتحدث لغة حقوق الإنسان أكثر من أي وقت مضى، لتصبح حقوق الإنسان ممارسة عامة وشاملة، وتجلى ذلك في جبهات عدة كالقانون الدولي والمؤسسات الإقليمية والسياسات الخارجية للدول.
 
أشار الكاتب إلى أن تأويل فكرة كونية حقوق الإنسان يعني أن هذه الحقوق تنطبق على كل إنسان ويمكن لأي فرد أن يطالب بها لنفسه، وبالتالي فهم يكتسبون هذه الحقوق بناء على إنسانيتهم. ويلاحظ أن حقوق الإنسان في العصر الحديث نشأت في أوروبا والولايات المتحدة، وينتقد الكاتب مسألة الاعتماد على حقوق الإنسان كمبرر لاتخاذ إجراءات أغراضها الأولى والأساسية لا علاقة لها بحقوق الإنسان في ذاتها، إذ تسعى البلدان القوية إلى مصالح استراتيجية من خلال هذه الحقوق، وهذا ما عبر عنه تشارلز بأن حقوق الإنسان تبدو كآلية هيمنة في النهاية، وليست صك تحرير، ويضيف بأن بعض الفلاسفة يتصورون بأن حقوق الإنسان لها وجود قائم في النظام الأخلاقي، والذي يمكن فهمه مستقلا عن تجسده في مبدأ وممارسة دولية.
 

يسلط كاتب "فكرة حقوق الإنسان" الضوء على البعد الفلسفي لحقوق الإنسان من خلال نظريات المذهب الطبيعي والتي ورثت قسماتها من الحقوق الطبيعية والتي تضمنها الفكر الأوربي السياسي والتشريعي

ناقش الكاتب مجموعة من النقاط التي تخص حقوق الإنسان، وبداية مع إشكالية الممارسة، واعتبر أنن الدول مسؤولة عن الوفاء بشروط معينة عند تعاملها مع شعوبها، وفشل ذلك يمكن أن يبرر شكلا ما من العمل العلاجي أو الوقائي من جانب المجتمع. وتطرق الكاتب كذلك في البداية إلى أصول نشـأة حقوق الإنسان، وتبعا لذلك فالممارسة الحديثة لحقوق الإنسان تعود إلى بعد الحرب العالمية الثانية وإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948. وديباجة هذا الإعلان تبدأ بالإشارة إلى الكرامة الأصلية للبشر باعتبارها أحد أسس حقوق الإنسان، وأكد الكاتب على أن احترام حقوق الإنسان من شأنه أن يدعم تطوير العلاقات الودية بين الأمم. وتصف الديباجة الإعلان بأنه إقرار معيار عام للإنجاز خاص بجميع الشعوب وكل الأمم.
 
يطالب الإعلان بنظام اجتماعي ودولي يكفل حقوق الإنسان بشكل تام وكامل، وتم اختتام هذا الإعلان بالتنبيه إلى أن كل شخص عليه واجبات إزاء المجتمع، والتي بموجبها وحدها يمكن أن يحقق التطوير الحر والكامل للشخصية. والفكرتان المتمايزتان في الإعلان واللتان تبرران أهدافه هما: أن الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ضروري لحماية الكرامة المتكافئة لجميع الأشخاص، وأن احترام حقوق الإنسان شرط لقيام علاقات ودية بين الدول.
 
يتساءل الكاتب حول حدود سلطة الدول في حالة ما إذا أصبحت حقوق الإنسان أمرا مقررا يعترف به القانون الدولي، وفي هذا الإطار افترض فريق العمل على حقوق الإنسان أن هذه الحقوق ستكون ضمن اتفاقية ملزمة فقط للموقعين عليها، كما أنها تتضمن بنودا للتنفيذ.


يسلط الكاتب الضوء على البعد الفلسفي لحقوق الإنسان من خلال نظريات المذهب الطبيعي والتي ورثت قسماتها من الحقوق الطبيعية والتي تضمنها الفكر الأوربي السياسي والتشريعي مطلع الفترة الحديثة، وفي هذا الصدد استدل الكاتب بما قاله جون سيمونز: "الحقوق الطبيعية هي تلك الحقوق التي يمكن أن يحوزها الأشخاص في حالة الطبيعة… وحقوق الإنسان هي تلك الحقوق الفطرية، والتي لا يمكنها أن تضيع، معنى هذا أن حقوق الإنسان ستتوافر لها خصائص الطابع الكلي والشمولي والاستقلال". ومن ذلك نستنتج أن حقوق الإنسان تخص البشر بناء على إنسانيتهم، ويكون حق ما طبيعيا في استقلال عن علاقاتنا ومهامنا الاجتماعية، والحقوق الطبيعية مستقلة عن المواضعات الأخلاقية والقوانين الوضعية للمجتمع، وهذه الحقوق قائمة في حالة الطبيعة قبل السياسة، ويمتلكها الأشخاص في كل زمان ومكان بغض النظر عن مرحلة تطور المجتمع وقدراته الإنتاجية وتفاصيل هيكله السياسي.

 
ناقش الكاتب مسألة كون حقوق الإنسان تخص الأشخاص من حيث هم كذلك، أو من حيث إنسانيتهم، ويعتقد أن مصدر هذه الفكرة من ثراث الحقوق الطبيعية للفكر المعاصر بشأن الحقوق، ويعني ذلك أن الحق يحمي المصالح التي يتوقعها الأشخاص، ويلاحظ أن من شأن الحقوق الطبيعية أن يطالب بها أي شخص لا لشيء إلا لإنسانيته، وفي هذا الصدد يرى المؤلف أن حقوق الإنسان هي ضمانات لحماية المصالح والمنافع النفسية ذات القيمة لكل البشر بغض النظر عن ثقافتهم أو مستوى تطور مجتمعاتهم أو روابطهم الاجتماعية الخاصة.

  

 
ناقش الكاتب كذلك نظريات الاتفاق، واعتبر أن حقوق الإنسان مشتركة على نحو ما مع القوانين الأخلاقية في مجتمعات العالم، وإنها هي ذاتها مصدر سلطتها، ويمكن لحقوق الإنسان أن تؤلف نواة الحقوق الأساسية المشتركة في جميع الثقافات على الرغم من نظرياتها التي تبدو ظاهريا متباعدة. إذ يمكن أن تمثل الحد الأدنى للقوائم المشتركة. وقال الكاتب: "إن حقوق الإنسان نابعة من توافق متداخل بين الأخلاقيات السياسية، هذه الأخيرة هي مجموعة من المبادئ أو وجهات النظر الأخلاقية والفلسفية والدينية". ومن هنا يمكن اعتبار حقوق الإنسان بمثابة معايير لحياة سياسية كوكبية قابلة للتحقق في مواقف أساسية متنوعة قد تكون متعارضة. وينبغي تصور حقوق الإنسان على أنها موضوعات تحظى بالاتفاق بين الثقافات، ومبدأ حقوق الإنسان يندرج ضمن إطار توافق الآراء المتداخلة لمجموعة من الرؤى العالمية.
 
يطرح الكاتب فكرة الفهم التطبيقي لحقوق الإنسان، والتي تختلف عن المذهب الطبيعي والنظرية القائلة بالاتفاق، وهذا الفهم التطبيقي يأخذ مبدأ حقوق الإنسان وتطبيقاته كما نجدها في الحياة السياسية الدولية باعتبارها المواد الأساسية لبناء فهم عن حقوق الإنسان. وإذا كان المذهب الطبيعي يفسر حقوق الإنسان على أنها التعبير العام والمبدئي لنظام أساسي مميز لقيم أخلاقية نتصورها حقوقا، وإذا كانت مفاهيم الاتفاق تذهب إلى أن القوة الأخلاقية لحقوق الانسان مستمدة من واقع الاتفاق بين الثقافات، إذا كان ذلك كذلك فإن الآراء التطبيقية ليست تأسيسية لأنها تنكر وجود أي أسباب للالتزام بحقوق الإنسان الدولية.
 
أشار الكاتب إلى أن من أهداف حقوق الإنسان نجد أن هذه الحقوق تمثل معايير لأعراف اجتماعية محلية، ويعتبر الوفاء بها أمرا له أهمية دولية. ونجد كذلك أن تطبيق حقوق الإنسان يمكن وصفه بأنه خاص بالدولة من خلال أن معايير هذا التطبيق تصدق على الدول وتعتمد عليها باعتبارها الضامنة الأساسية، كما لا يمكن إنكار مركزية الدولة بالنسبة إلى تطبيق حقوق الإنسان.

 

اختتم تشارلز أر بيتز بالإشارة إلى أن حقوق الإنسان تعتبر شأنا دوليا، ذلك أنها معايير جرى إنجازها لموقف من بين مواقف كثيرة ومحتملة في التفاعل البشري، وتعمل داخل نظام عالمي؛ حيث السلطة السياسية قائمة أساسا في صورة دول إقليمية، وتبعا لذلك تحدث الكاتب عن الحقوق التي تم ابتكارها في القرن العشرين، وهي حقوق مناهضة الفقر، وحقوق المشاركة السياسية، وحقوق الإنسان للمرأة، وحاول توضيح المسائل المتعلقة بهذه الحقوق، ونجد أن القضية المتعلقة بالحقوق السياسية هي العلاقة بين المصالح التي تمثل أسس حقوق الإنسان والشروط المؤسسية النوعية لهذه الحقوق، وفيما يتعلق بحقوق الإنسان للمرأة؛ فالمسألة الرئيسية تتعلق بدرجة التزام الممارسة الكوكبية وتمردها على المعايير المحلية والمعتقدات التقليدية. أما المسألة المرتبطة بمناهضة الفقر فهي متعلقة بمدى توفر الأسباب التي تعمل من أجلها القوى الخارجية عن المجتمع الذي ينتهك الحقوق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وصف المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي الرئيس ترمب بأنه كذوب وغير مؤهل من الناحية الأخلاقية لكي يكون رئيسا للولايات المتحدة. ورجح أن لدى روسيا ما تبتز به ترمب.

تبدأ المحكمة العسكرية شرق القاهرة اليوم الاثنين أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة. وقال رئيس فريق الدفاع إنه سيطلب التأجيل للاطلاع على التحقيقات.

الأكثر قراءة