تعددت الأماكن والمشهد واحد.. ذبح بالصمت!

blogs دمار سوريا

أبنية مدمرة تنهشها ألسنة النار تعلوها أعمدة دخان، جثث مشوهة ومتفحمة متناثرة هنا وهناك وأخرى تحت الانقاذ منها مازال ينبض فيها الحياة تنتظر من يخلصها بعدما سلمت أمرها لله، هذا ليس سيناريو في فيلم رعب بل هو الواقع اليومي تعيشه مدننا تحت حكم الطغاة من باعوا الأرض والوطن وضحوا بشعوبهم ثمناً لتمسك بحكم العرش المزيف الذي أضحى تحت سيطرة كل مرتزقة الأرض تحكمه وتنهب خيراته بغطاء المنقذ الخارق.

أي حكم هذا الذي يُبيح سفك دماء الأبرياء ذنبهم الوحيد تمسكهم بوطن على شفير الهاوية، يحكمه طغاة بالحديد والنار تجبروا على شعوبهم، لكنهم ليس سوى بيادق على رقعة أرضنا، دمى في يد الاستعمار القديم الجديد التي جاء هذه المرة تحت غطاء المنقذ، وأي منقذ هذا الذي يبيد شعبا بأسره بيده أو هو جالس يتفرج على المجازر وقودها شعب مغلوب على أمره، هذا المنقذ الخارق يحرك خيوط اللعبة، لعبة تفريغ الأرض من شعبها لتكريس عميلها على عرشها.

تعددت الأماكن والمشهد واحد، لنبدأ بالعراق بين الأمس واليوم صور الدم والدمار تجوب مدنه واحدة تلوى الأخرى، رغم ما يصوره الإعلام عن هدوء إلا أن الواقع أبشع، من قضوا نحبهم بألاف و دمرت المدن و من استطاع الهروب لم يجدوا أمامهم سوى مخيمات الموت البطيء تنعدم فيها ادنى شروط الحياة، تُركوا لمصير مجهول تلعب به الأقدار وتقلبات ومزاجية الحكام.

هل أصبحت أرضنا ساحة حرب لتصفية حسابات؟ هل التاريخ يعيد نفسه؟ بالأمس كان تقاسم تركة الرجل المريض واليوم حان وقت تفتيت الفتات وإعادة رسم حدود جديدة تتناسب وتطورات المرحلة؟

سوريا الذبيحة تتخبط وأرضها مخضبة بالدماء على يد طاغيتها الذي جرّب كل أنواع الإبادة وبمختلف الأسلحة المحظورة وغيرها، فالذي نجا من الصواريخ والبراميل المتفجرة قضى اختناقا بالغازات الكلور والفسفور ومن حالفه الحظ ووصل المستشفى لحقه حذفه ودفنه تحت انقاذه جراء قصف الطيران الروسي والأمريكي بذريعة محاربة الإرهاب، وها هي محرقة الغوطة الشرقية وقودها الأبرياء يقتلون بدم بارد وسط صمت دولي مخزي وخذلان عربي مقيت كأنه يقول "نعم نحن نبارك هذه الأبادة الجماعية.. !"

 

هذه المحرقة التي ما زلت رحاها تحصد الأرواح والعدد في ارتفاع مستمر، حتى التنديد والشجب والاستنكار المعهودين لم يسمع بصداهم أبداً، أليس ما يقترف بإرهاب وجرائم حرب تعاقب عليها كل القوانين الدولية وقبل كل هذا حرمها الله تعالى في كل الكتب والشرائع السماوية؟ وليس ببعيد عن هذا المشهد الدّامي، فالذين وقعوا في قبضة النظام يقبعون في سجون النظام بل مسلخة النظام، يذوقون أبشع أنواع التعذيب تُنتهك أدميتهم وكرامته نساءاً كانوا أو رجالاً على يد مرتزقة اعتدوا على أن يتغذى على لحم البشر ويتباهون بجرائمهما أمام عالم مُتبلد مات ضميره. 

اليمن المظلوم الذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها بين مطرقة التحالف بالقصف العشوائي لا يرحم ولا يُميز بين مدني وعسكري رغم دقة العتاد الُمُسخر لهذا العدوان والسندان الحوثي بمساعدة بني جلدتهم، ومن حالفه الحظ النجاة من هذا القصف فتكت به المجاعة والأوبئة المُنتشرة بسبب الحصار وانعدم الأدوية، والأرقام رغم فضاعتها تبقى بعيد عن حقيقة الواقع. لا نغادر أرضنا العربية وننزل بغزة، المشهد لا يكاد يختلف كثيرا في مجمله دمار وقصف ورائحة الموت منتشرة في الأجواء، غير أن هذه المرة يختلف المعتدي ليس حاكماُ عميلاً بل كيان بأكمله زُرع غصباً من طرف نفس القوى التي تسيّر المنطقة بما يخدم مصالحها، لكن التضييق عربي بغلق المعابر وحرم المئات من أي فرصة نجاة أو علاج أو تعليم. 

لماذا هذا المشهد لا يغادر مدننا العربية؟ هل أصبحت أرضنا ساحة حرب لتصفية حسابات؟ هل التاريخ يعيد نفسه بالأمس كان تقاسم تركة الرجل المريض واليوم حان وقت تفتيت الفتات وإعادة رسم حدود جديدة تتناسب وتطورات المرحلة؟ والسؤال المُلح مع علمنا بكل ما يُحاك وعلى العلن نسكت ونرضخ لإمر الواقع؟ هل هو يأس أم خوف من المواجهة؟ وهل هذا الصمت لأننا ألفنا هذه المشاهد الدامية صارت لتحرك فينا أي مشاعر غضب وتملكنا الموت ونحن أحياء؟ فالضحايا يظلمون مرتين، مرة يوم يقتلون ومرة يوم نصمت عن قتلهم.