الكراهية وقوة العمل الجماعي

إن ما لا يمكن تحقيقه بالحب، يمكن تحقيقه بالكراهية الجماعية. الكراهية هي أكثر العوامل شمولا ووضوحا. تجتذب الكراهية الشخص من نفسه، وتنسيه ما حوله، يومه ومستقبله. الكراهية تعمل على انتزاع الفرد من ذاته ليشعر بانه لا يساوي شيء وهنا يبدأ الفرد في البحث عن شيء يقوم به.

 

ولكن ما هي العلاقة بين الكراهية وقوة العمل الجماعي. نتوقف هنا لبيان ماهية الجماعة، أي جماعة كان حركة ثورية، حزب أو غيرها من الجماعات. وهذه الجماعات تبحث عن أفراد يؤمنون بمعتقداتها وسياساتها بكل قوة ممكنة، وتدفعهم إلى التضحية بالنفس إذا لزم الأمر. إن غالبية الجماعات تبحث في بداياتها عن أشخاص معزولين مهزوزين مراهقين منبوذين اصحاب خطايا مدمنين ومن تغلب عليهم البؤس والحرمان أي الفقراء فقرا مدقعا. إن هؤلاء الأفراد يرون في الحركات الثورية والأحزاب فرصة ثمينة في التخلص من حاضرهم الذي ما عادوا قادرين على تحمله. وهنا تأتي هذه الحركات بدعايتها في تمجيد الماضي واستحقار ونبذ الحاضر والتطلع إلى المستقبل القريب الذي أوشك على فتح ذراعيه لهم بشريطة اتبعاهم للجماعة التي انتموا لها سابقا.

 

لم يعد قياس نجاح جماعة ما في قوة معتقدها وسموه، بل يقاس نجاح الحركة بمدى قدرتها على ايجاد شيطانها وتجسيده. إن براعة الشخص الذي يعرف كيف يبدأ حركة جماهيرية ويطلقها أو كيف يبقيها تتجلى في معرفة كيف يختار العدو الملائم بقدر ما تتجلى في قدرته على اختيار العقيدة الملائمة ووضع برامج لتنفيذها. لم يصبر المنظرون في الكريمل حتى تهدأ مدافع الحرب العالمية الثانية قبل أن يختاروا الغرب الديمقراطي والولايات المتحدة على وجه الخصوص عدوا للشيوعية. إن إثارة الكراهية توحد الصف وتشد من أزره خاصة عندا تيشع الجماعة أن الخطر سيلحق بالجميع.

 

الأشخاص الذين يعانون تفاهة حياتهم يعمدون إلى البحث عن معنى جديد لا عن طريق اعتناق قضية مقدسة فحسب. بل باحتضان ظلامات متطرفة وتتيح الحركة الجماهيرية للمحبطين تحقيق الهدفين

تستطيع الكراهية الجماعية أن توحد العناصر المتنافرة. بل إن هذه الكراهية يمكن أن توجد رابطا مشتركا مع عدوا ينخر قواه ويضعف مقاومته. لقد استطاع هتلر من أن يستخدم كراهية الشيوعين في محاربتهم. ونحن لا نبحث عن حلفاء عندما نحب. بل إننا تعتبر من يشاركنا حبنا منافسين ومعتدين، إلا أننا نبحث عن حلفاء عندما نكره. ومن الطبيعي أن نبحث عن آخرين لمساندتنا عندما نكون تحت ضغط وان قدمنا تنازلات للحفاء مقابل وقوفهم معنا.

 

ولكن من أين تأتي الكراهية؟ وكيف تتحول إلى عامل توحيد؟ إن الكراهية هي نتيجة نقصنا ضعفنا شعورنا بقلة أهميتنا في محيطنا ومحاولات يائسة في اخفاء هذه الصفات. وهنا نتحول الى كارهين للآخرين، من هم أفضل منا. ونبدأ بالبحث عن الاشخاص الذين يملكون مثل هذه الصفات ومن نتفق معهم وفق آرائنا المبنية على كراهية الآخرين. نجح هتلر من توحيد الألمان عن طريق توليد الكره لليهود والشيوعين على الرغم من أن الألمان كانوا أفضل منهم. ولكن كان هتلر يعلم لولا اليهود والشيوعين لاحتاج إلى أن يخترع اليهود. وإن كره اليهود للبشرية دفعهم إلى الرحيل لفلسطين والقتال بشراسة. ولدت الصهيونية عامل الكراهية لدى اليهود اتجاه العرب عن طريق تمجيد الماضي ونبذ الحاضر ووعودهم في المستقبل المشرق الذي أوشك على بزوغه.

 

تتضح لنا الحقيقة التي تقول إن الكراهية تنبع من احتقار النفس أكثر مما تنبع من الظلامة المشروعة عندما نتفحص العلاقة الحميمة بين الكراهية وتأنيب الضمير. على الرغم من أن هناك آراء تقول: إننا عندما نصب المزيد من الوقود على كراهيتنا عندما نظلم الذين نكرههم. وعلى النقيض فنحن تعامل مع العدو بتسامح نضعف من كراهيتنا له. إن كراهية عدو لديه جوانب طيبة أسهل من اختيار عدو سيئ تماما يصعب علينا أن نكره اولئك الذين نحتقرهم احتقارا تاما.

 

يقول Eric Hoffer في كتابه The True Believer: بوسع الكراهية المتقدة أن تمنح الحياة الفارغة معنى وهدف. ومن هنا فإن الأشخاص الذين يعانون تفاهة حياتهم يعمدون إلى البحث عن معنى جديد لا عن طريق اعتناق قضية مقدسة فحسب. بل باحتضان ظلامات متطرفة وتتيح الحركة الجماهيرية للمحبطين تحقيق الهدفين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة