الخوف المصيري..

زرع الله في هذا المخلوق المتناقض المسمى الإنسان عوامل القوة ليستحق بها الخلافة في الأرض وعوامل الضعف لتكون له آية وأداة يقيس بها مدى حاجته للطيف الخبير وكأنه بذلك سحق السلوك المتعالي من قبل الإنسان عند أول خفقة قلب أو دفقة دم في موقف خوف وإن أحسن الإنسان وتطور في التعامل مع كثير من الانفعالات والأحاسيس فقد ظل شعور الخوف هو السيف المسلط على رقبته الذي لا يعرف كيف يتحرر منه أو يتعامل معه وعلى الرغم من أن الإنسان استطاع حتى غروب شمس مساءنا هذا أن يرتقي فوق شغفات الجبال وأن يخرق طبقات السماء حتى يلامس صفحة القمر وأن يشبع شهوته المفرطة لمعرفة بعض أسرار المحيطات الخبيئة وطبقات الأرض المتراكمة..

  

إلا أن خوفه كان الدافع الأكبر لكل ما حققه من إنجاز وانتصار وما بلغه من علم ومعرفة فخوفه من المستقبل الغامض والأحداث المحيطة به كانا أكبر محرضين لعقله المشوش في فهم هذه الألغاز مؤمناً أن فهم السبب والعلة يزيل العجب والاستفهام وأن قلة الهداية إلى فهم منطق الكون يجعله يسير نحو فناءه ما لم يستطع أن يثبت عكس ذلك ومع تطور وعي الإنسان وتقدمه في التاريخ أصبح الخوف مصدراً للبقاء والمقاومة ومصدر للصمود والممانعة وأن شعوره بالأمان المطلق يجعل منه مخلوقاً ضعيفاً تحمله التغيرات كما تحمل الرياح ورقة الشجر اليابس في خريف عاصف فلا مكان لها ولا استقرار لها حتى تنشغل الريح بغيرها في واد آخر.

 

إن السوريين اليوم أسارى لشعور الخوف الذي لا سبيل للإنسان أن يخلق آليات تأقلم معه فنحن ربما نعيش جياع أو عراة أو جهلة ولكن لا نستطيع أن نعيش للحظة واحدة تحت سيف شعور الخوف

والخوف أقسى ما عرفت الملوك والمتجبرين من الوحوش فلا حافظ لهم ولا محصن لهم من تمدده داخل جمجمتهم ولا ينفع معه استكثار من الجند والعسس ولا تدبير أو حيطة حتى يكاد أحدهم يبسط سلطانه على قومه كما يبسط الخوف سلطانه في نفسه وأصبح الخوف عقوبة جماعية مستمرة التنفيذ على كل ظالم من قبل كل ضعيف يخاف ظلمهم ويزداد خوف أولئك المتجبرين كلما عرفوا أن خوف شعوبهم في تراكم وتعاظم فهم يدركون أن لا حياة للإنسان مع الخوف ولا رضوخ له حتى يجعل من خوفه طاقة هائلة تسكن في أجساد هزيلة ستعرف عاجلاً أن المواجه والمقاومة سبيلاً وحيداً للتحرر والانعتاق وبذلك يصبح الخوف بلاءً للظالم وأملاً للمظلوم في آن معاً.

 

وللسوريين في هذا تجربة طويلة حيث أن التغييرات التي تضرب المنطقة صبحاً وعشياً جعلت من منظومة القمع والفساد بقيادة الأسد الأب والابن تعيش في حالة من التقوقع داخل الذات وانغلاق متزايد خوفاً من أي تهديد فقتلوا ودمروا وهجروا وجعلوا من الحكم بالتخوف منهجاً واستراتيجية لينعشوا هذه المنظومة التي تنتمي لعصور ما قبل الآدمية فكانوا يعبرون عن كل ضغط خارجي بمزيد من القمع والتسلط واستبدلوا مقاومة العدو الخارجي بتكاتف شعوبهم إلى مقاومة الأجهزة الأمنية لشعوبهم ولا تنتهي الشعوب أبداً ولا تنتهي التغييرات.

 

ويذكر السوريون تماماً كيف قام النظام بالرد على مخاطر اجتثاث البعث العراقي إبان الغزو الأميركي بمزيد من التنمر الحكومي والتغول الأمني وكان جلياً أن مفاصل النظام ترتعد خوفاً وخطابه يهتز رعباً فزج بعشرات المثقفين في السجون وجعل نخب البلد مخيرة بين أقبية التغييب القسري أو حرية المنافي وكذلك تكون الأنظمة الملعونة من شعوبها فهي أشبه بالمهرج الذي يقف في استقرار قلق على عصا طويلة ترديه رياح التغيير قتيلاً على الأرض إذا هبت من حيث لا يحتسب.

 

و منذ اندلاع أحداث ثورة 2011 أصبح طوق التهديد على النظام أضيق وكأن حبل الموت يشتد غلظة حول رقبته فلم تعرف أجهزته الأمنية حلولاً إلى ما اعتادت عليه من الوحشية وغير الآدمية ظناً منها أن إعادة استخدام رجال وأدوات المرحلة السابقة سوف يعطي نتائج مشابه ولكن على العكس فالسوريون اليوم مُقادون بروايات إجرام النظام من قبل عشرات آلاف المعتقلين السابقين وما يتسرب بين الفينة والأخرى من داخل كهوف وأقبية الموت ولم يعد لخيال أي شاب سوري جرب الاعتقال لساعة أو خبره من قبل تجربة عزيز عليه أن يتقبل فكرة التعرض للاعتقال وسيبقى الشاب السوري يعيش رهينة الخوف من التعامل مع أي جهاز أمني تابع للأسد على أنه مؤسسة محلية وسلطة يجب أن يهابها.

  

 

والعلاقة الوحيدة التي تجمع بين الشباب السوري والأجهزة الأمنية هي علاقة الخوف والعداء وبنفس الوقت فإن جيش النظام بآلة القتل الجوية والبرية التي يستخدمها منذ سنوات تجاه المساكين العزل والتي قتلت ما يقارب مليون غافل في بيته أو نائم في مرقده لن يكون ذاك الجيش يوماً بنظر السورين جيشاً وطنياً ولو أنهم غيروا الأعلام والأناشيد وتواريخ الأعياد الوطنية فالكل يرى في طائراته طائرات احتلال ملعونة وفي مشاته وراكبيه شذاذ آفاق تم تجميهم وإطلاق كل أمراضهم النفسية من جوفهم العفن من أجل ارتكاب مجاز ذبح أطفال بالسكاكين وقصف وقتل المدنين في الأفران والجوامع وتسميمهم بالكلور والسارين وكما أن الشمس والقمر والليل والنهار يتعاقبان ولا يلتقيان فلا يلتقي سوري مع هذا الجيش تحت ظل علم واحد.

 

إن السوريين اليوم أسارى لشعور الخوف الذي لا سبيل للإنسان أن يخلق آليات تأقلم معه فنحن ربما نعيش جياع أو عراة أو جهلة ولكن لا نستطيع أن نعيش للحظة واحدة تحت سيف شعور الخوف وهذا الشعور يدفعنا دائما إلى المغامرة والمواجهة وكأننا بذلك أِشبه بقط مسكين ووديع يتظلل جدران الحي ويهرب من أشقياءه لكن إن جربت أن تهاجمه فإن شعوره بالخوف يعطيه طاقة وشجاعة لمواجهة عشرات الصبية بمخالب ناعمة وكذلك الأمر فلا حل في سورية عام أو جزئي عبر المصالحات يأمن الدولة من التفجيرات المتتالية واستهداف المصالح والأجهزة الأمنية ومخافر الشرطة واغتيالات الشخصيات وتشكيل المجموعات المجاهدة المناوئة إلا أن ينعم السورين باتفاق يشعرهم بالطمأنية ويزيل عنهم شعور الخوف من المستقبل ويضمن لهم الحياة بعيداً عن أقبية المخابرات أياً كانت تسميتها وقتذاك وكل محاولات دمج النظام مع الشعب السوري غير مستساغة ولا تلبس أن تمجها وتستفرغها الأمعاء ولا يكاد يطرح مثل هذه الحلول إلا ويرتفع ضغط الخوف في دم السوري ليتصبب عرقاً ويقول أموت مئة مرة ولا أعيش مع هذا النظام ساعة من الخوف.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انتقد كل من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني الضربات العسكرية التي وجهتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إلى سوريا اليوم السبت.

الأكثر قراءة