الجينوم السياسي.. قراءة في مأزق الانتخاب بالمغرب

قبل كل شيء، أتقدم إليك سيدي القارئ بنصيحةٍ عابرة، أقول لك فيها؛ إياك أن تكن فخورا أو روحيا أو متعجرفا، قلل من عواطفك تجاه انتماءك السياسي، فالتجربة هنا أبانت أن لا جديد بين الأحكام، فكر برفق ولا تكن صيدا رخيصا، أو تكن جرثوما ينتقل بين العدوى ناقلا إياها، حافظ على مخك من أمخاخ ملأها الثقوب أو عيش وأنت تحاول. حسن نسلك بالحوار وابتعد عن النعاج، فكن رجلا كريما أَيَّنْ يكن نسلك السياسي، فلا تنس آل البيت؛ جد أكبر وأم جارية، كن كريما، فلا أصل تعود ولا حضن يرتقبك.. هذه نصيحتي سيدي القارئ أذيلها لك بنصيحة تفترض إذا قدر الله، أن حالتك ميؤوس منها؛ إياك أن تقاوم، موت واقفا، عاقرا، والشيء المهم أن لا تنجب نعاجا أخرى بنفس الجينوم.

 
وبعد؛ دفعتني ظروف العاطلة التي عشتها وأعيشها هذه الأيام إلى الانفتاح على بعض العلوم؛ من قبيل الهندسة المدنية، والمعلوميات، وعلوم الإحياء. وفي كل لحظة اطلع على مقال أو كتاب في حقل من الحقول السالفة الذكر، إلا وأجدها مدخلا مناسبا لقراءة الحياة الاجتماعية والسياسية عبر الاستعانة بمقدماتها النظرية وبعض مخرجاتها التطبيقية. وعلى سبيل التناص جاءت فكرة هذه التدوينة.
 

الوسواس مرض مقلق لا شفاء منه، خاص في محيط تتحول فيه الخلية إلى بكتيرية قاتلة، فقد يحدث أن تنتقل بعد كل عملية انتخاب غير طبيعي -الخلية- عبر الكورموسومات

الجينوم السياسي: يبدو أننا أمام ظاهرة فريدة، بارعة وشديدة التعقيد فهو -الجنيوم- يستطيع نسخ نفسه ونسخ كل الخلايا المكونة لسلالته السياسية، محرضا أو بالأحرى محفزا إياها على أداء أدورها كما يبغي وينبغي، فكل خلية تمارس مجهودها العضلي وفق الاستخدام الملائم لها بعد استئصال نواتها، وقد لا يظهر بسهولة أن كل الخلايا في حالة تساوي مزمن، فكل خلية -النائمة منها والمدوخة- تحاول أن تطهر نفسها وتقدمها لنا /متظاهرة بما ليس فيها من نبل وقوة، وبينما تستقوي بعضها على بعض حسب درجة الحرارة المحيط بها، تتكاثر أحيانا وتتقوى فتصبح رقما فصيحا ولسان حال الجينوم، فتنسى أن الحرارة التي كانت سببا في تكاثرها هي نفسها ستكون سببا في تشوهها وأفولها، فيأتي الدور على أخرى، وهكذا.

 

وقبل أن تستلم الخلية البديلة دورها الجديد، (يتدخل الجينوم محاولا تحسين نسل الخرافة والماشية سريعا بعمل استيلاد انتخابي لأفضل عيناتها مع ذريتها نفسها، واستئصال نواتها) ذلك بتركيز السمات المرغوبة. مما ينتج عنه تأثير جانبي غير متوقع من لدن المحيط -المجتمع- مما يعجل بالأول؛ فتظهر عليه أعراض الجنون أو -اللهطة- +ليفقد علاقته بالمحيط بعد تدجينه، فيستعين بالخيار الثاني وفقا لدرجة الحرارة التي تقبل بتكاثره وانتشاره، في المحيط وهكذا..
 
فالجينوم السياسي له خاصية غير معتادة في علم الجينات، فهو يستطيع أن يغير فجأة من شكله إلى شكل قوي لزج يقاوم كل محاولات تدميره، فالخلية بالنسبة إليه، ليست سوى وسيلة للاستزادة في القوة، فقد يتلمس المتتبع لهذا الشأن، أن هناك عملية كبرى تجرى في مصانع الإذابة، وفق ميزان حراري هائل ومقتدر بل وملزم، يمنح المحيط بأكمله المزيد من الخلايا المسرطنة تحقق توازن مهما غير مسبوق.
 
وفي الحقيقة، لا يمكن رغم ما قيل إلا أن نعترف بالأدوار التي يقوم بها الجيينوم الأكبر من أجل استقرار النسق العام، فإن كانت بعض الخلايا تحاول إظهار نفسها بعد كل عملية انتخاب غير الطبيعي على أنها محصنة من "جنون اللهط"، وهي نفسها لا تستطيع أن تفسر لنا هرولتها بخطوات مقلقة وغريبة في كل اتجاه وأنها في الغالب تكون ضد اجتماعية، لأنها ببساطة مجنونة، فمتى أدرك المجنون فعلته أدرك حينها السائس علته. وعلى سبيل العجب كيف لنا أن نفسر تغييرها المستمر-الساسة- لسلالتها عندما تنتقل إلى وضعية توليفية -سياسية- جديدة؟ فتراها مهرولة بشكل جنوني ملتبس غير مفهوم.
 

المدخل الحقيقي لتفسير نسق اللعبة السياسية في سياقنا التداولي هو مدخل وراثي قبل أي شيء أخر، فقد يلاحظ المتتبع للشأن السياسي عموما، شيئا لافتا للأنظار، أنه لا توجد أعمال حميدة في السياسة الوطنية

عموما، يبدو أن الوسواس مرض مقلق لا شفاء منه، خاص في محيط تتحول فيه الخلية إلى بكتيرية قاتلة، فقد يحدث أن تنتقل بعد كل عملية انتخاب غير طبيعي -الخلية- عبر الكورموسومات فتجدها تتخذ في اليمين وتارة في الشمال وتارة بين المنزلتين، مستقرا لها، فتفقد من جديد أية محاولة لتجديد النواة فتستغرق في اللهط إلى حين انتخاب جديد أو تدخل مباشر من الجينوم لتحسين النسل. كان ليحدث، أن يتحقق تزاوج سياسي غير مَرَضي يراعي تحسين النسل السياسي، عبر انتخاب طبيعي حقيقي قائم على قوة المحيط، لا على التخصيب، أما الحالة الصحية الضعيفة للمحيط تؤثر في عملية التكاثر، والتي أدت إلى ولادة كائنات مشوهة لا ترق إلى الذوق العام مما اثر سلبا على الاستهلاك الثقافي/ السياسي، وإيجابا على سلالة السائس المرفهة اجتماعيا.

 

إن تحسين النسل السياسي بالمغرب، يبدو؛ أنه مركب مزيج، بين نية إصلاح النسل وتقويته، وبين تخصيبه وتحويره وانحرافه، ويعلم أهل العلم -علم الجينات- أن أية عملية لتحسين النسل ترافقها أعراض قد تكون غير متوقعة فتهدد استمرار النسق العام، حتى وان تمكنت من إعادة تشكيل ملمح جديد للمبدأ -مفهوم جديد للسلطة- عبر نسخ الأنموذج المطلوب، فهي مع تلاحق الزمن؛ ستتصارع خلاياه -فيما بينها- وتنفصل مع محيطها بشكل يصعب على الجينوم تتبع شفرتها المتغيرة باستمرار. والمتأمل في ما جرى من أحداث متعاقبة، سيخلص إلى وجود أربع مجوعات مشتركة الجذر؛ أولها مجموعة خلايا ميتة، ومجموعة نائمة تَحْضُر جنازة الأولى، والثالثة، تُحَضر مراسيم الثانية، والرابعة لم تخصب بعد.
 
ويظهر مما سبق، أن المدخل الحقيقي لتفسير نسق اللعبة السياسية في سياقنا التداولي هو مدخل وراثي قبل أي شيء أخر، فقد يلاحظ المتتبع للشأن السياسي عموما، شيئا لافتا للأنظار، أنه لا توجد أعمال حميدة في السياسة الوطنية، وأن كل الخلايا لها مدخل ومخرج واحد، وهي جزء من شجرة عائلة واحدة متفرقة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تعقد السلطات المحلية في جرادة المغربية جلسة حوار بمقر المحافظة اليوم الأربعاء مع نشطاء الحراك حول الأوضاع بالمدينة التي تشهد منذ 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي احتجاجات تطالب بتحسين الأحوال المعيشية.

طالب زعماء الأحزاب السياسية المغربية الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات حازمة ورادعة لإجبار جبهة البوليساريو على الانسحاب من المنطقة العازلة بالصحراء الغربية، رافضين أي مساس بالوضع القائم على أراضي تلك المنطقة.

الأكثر قراءة