التواطؤ العالمي على سُنّة سوريا.. جريمة لن ننساها

الحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون أنه بعد الغزو الأمريكي للعراق وتحقيق هدفه باستئصال نظام يهدد سيادته على الشرق الأوسط، وذلك بإيعاز من اللوبي الصهيوني المؤثر على سياسات أمريكا وخصوصا سياسته الخارجية تجاه الشرق الأوسط وتجدر الإشارة أن اللوبي الصهيوني هو من دفع بوش للإقدام على غزو العراق دون تأييد دولي في ظل غياب أدلة قطعية عن امتلاك نظام صدام لأسلحة الدمار الشامل المزعومة أن التهديدات العسكرية الأمريكية لسوريا بدأت منذ 2005 كما أطلعنا على ذلك الأكاديمي البارز جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابهما اللوبي الصهيوني والسياسة الأمريكية الخارجية.

إن النظام السوري العلوي البعثي الأسدي الانقلابي الجبان في عهد حافظ أظهر للشعوب وجها بريئا محبا لشعبه وخادم لقضايا الأمة نال استحسان الجماهير المرهقة في بادئ الأمر نتيجة الإصلاحات التي قام بها بتوجهه نحو الصناعة، وخاصة عندما تولى بشار سدة الحكم في سوريا كأنها تركة عائلية، كنت آنذاك طفلا وأنا أتابع قناة سورية التي تظهر بلون ذهبي في أسفل أقصى يسار التلفاز، أشاهد التعازي تتوالى من قادة الدول، وحزنت لموت حافظ آنذاك وقد سميت تلك الفترة بـ ربيع دمشق من خلال انفتاحه الفكري والاجتماعي والاقتصادي وانفتاحه على الأسواق، فبراءة الطفل فطرية.

 

توالت الأيام فكانت المسلسلات الإسلامية تغزوا جميع البيوت وخاصة العربية، وكان أغلبها من داخل سوريا، فعشقنا سوريا وعشقنا زيارتها، تسارعت الأيام والسنون جمعت بين تحول الأوضاع والمعطيات، تكبر الفكرة ويكبر معها الطفل حتى جاء الربيع العربي مشتتا ربيع دمشق ضاربا انطباعات طفل على عرض الحائط، فبشرني بشار ببشرى تستفيق.

بشار يمتلك واحدا من أكبر مخازن الأسلحة الكيميائية في العالم، والتي يقدرها بعض الخبراء أنها قد تصل لألف طن من المواد الكيميائية والمواد الخام

إن سرد أحداث السبع سنوات الماضية في سوريا أمر متجاوز، الكبير والصغير، الأمي والدارس، الأعمى والبصير كلهم يعلمون الواقع بحذافيره، لكن الذي يجب أن أتطرق إليه هو جزئية التواطؤ الأوروبي الأمريكي والروسي الإيراني وكذلك المنظمات الدولية على الشعب السوري السني، وأسطر على كلمة السني، الذي نادى حين أغلق سوق الحريقة في العاصمة دمشق، وتجمهر التجار والأهالي في المناطق المحيطة بعد إهانة رجل أمن لابن أحد التجار، ورددوا لأول مرة هتاف الشعب السوري ما بينذل، فأقسم بذلك بشار على إذلال السنة وتطهيرهم وتهجيرهم.

لاشك عندي شخصيا أن هناك تواطؤ ممنهج بين القوى الكبرى على سوريا والعالم الإسلامي برمته، إلا أن سوريا المدمرة الآن أخذت نصيبا من الدمار يفوق التصور، يكفي أن البنك الدولي قام بدراسة شاملة أوائل سنة 2017 انطلاقا من تجميع بيانات متفرقة وتحليلها، وتوصل في الحد الأدنى من التصور إلى أن المباني المدمرة تزيد عن 36 في المائة، أما المباني الصحية والاستشفائية فوصلت نسبة الدمار 20 في المائة، أما نسبة التهجير فحدث ولا حرج، فملايين السوريين مقسمين بين مخيمات وملاجئ في دول إسلامية وأوروبية.

أمريكا، منذ عهد أوباما تطالب بشار بالتخلص من الأسلحة الكيميائية والذي يجب معرفته أن بشار يمتلك واحدا من أكبر مخازن الأسلحة الكيميائية في العالم، والتي يقدرها بعض الخبراء أنها قد تصل لألف طن من المواد الكيميائية والمواد الخام، والتي تتضمن الخردل والكبريت والسارين، وهدد أوباما بالتدخل في حال تم استعمال هذه المواد، لكن خلال السنوات الماضية لوحظ استعمال بشار لهاته المواد دون تحرك أمريكي واضح، اللهم تقديم بعض المساعدات الطفيفة جدا للمعارضة.

إن تحول الثورة السورية التي انتفضت لأجل تلبية أبسط شروط الحياة الكريمة وإنهاء زمن التفقير والتجويع من صراع بين الشعب والسلطة إلى حلبة صراع دولية بين القوى الإقليمية والدولية أدى إلى ازدياد مضطرد لعدد الضحايا الذي وصل إلى أزيد من 400 ألف حسب تقديرات لمنظمات دولية، عادي جدا فعندما أوكلت سوريا لروسيا وإيران مهمة محاربة المعارضة، قامت بتجربة جميع أسلحتها الجديدة والقديمة والتي لم تكن تستثني لا مدنيا ولا عسكريا، لا طفلا ولا عجوزا.

 

كل دماء المسلمين السوريين التي ذهبت وستذهب هي نتيجة لصراع على السلطة، ولن تذهب سدى ما دام هناك أبطال يقاومون وسينتصرون بلا شك
 

فخلال السنوات الأربع الأولى من الحرب قتل أزيد من 200 ألف مدني سوري في تقرير أوردته الجزيرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهذا يظهر لنا يقينا أن هناك تطهيرا عرقيا ممنهجا للمسلمين السنة، ارتكبوا مجازر بشتى الأسلحة الفتاكة في حلب واستنكر الجميع، أما نحن فما لنا إلا الدعاء لهم والتضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر هاشتاغ ومنشورات ولا آذان صاغية، فلم يتركوا بقعة على أرض الشام إلا وخربوها بأسلحتهم الفتاكة وأعادوا المجازر مرارا وتكرارا في حمص والغوطة وقبل أيام في دوما، ولا من يحرك ساكنـا.

هي إذن حرب الكبار، لا مجال للتدخل العسكري العربي هناك، جيوش متهرئة مهمتها التسلط والتجبر على شعوبها، جيوش لها قادة كالكراكيز، تراهم يتحدون فقط ضد بعضهم البعض، أقواهم يقاتل أخاه والآخر يعاديه، قمم يجتمعون فيها على الاستنكار والشجب والبكاء والنباح، وأفضلهم كتب له خطاب رنان ليثنى عليه في الختام، بكل بساطة يحكمنا بيادق ألسنتهم مغلقة للحق باسطة للقمع.

كل دماء المسلمين السوريين التي ذهبت وستذهب هي نتيجة لصراع على السلطة، ولن تذهب سدى ما دام هناك أبطال يقاومون وسينتصرون بلا شك، فتاريخ الحروب مليء بالمعجزات، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، مهما أراقوا من دماء فلن يستطيعوا إراقة دماء جميع السوريين، على العكس من ذلك فالقوى الظلامية الكبرى تبني لها أجيالا إيمانها قوي، تشتيتها في البقاع يزيد من احتكاكها مع مختلف الأجناس والثقافات ويكسبها خبرات في مختلف مناحي الحياة، وكل هذا في انسجام تام لتوجه الأمة الإسلامية في توحيد صفوفها والذي هو السبيل لإحياء تاريخنا المجيد المرعب للفرس والمجوس والغرب، فهذا هو التحدي ورحم الله شهداء سوريا والوطن الإسلامي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة