التقنية في رحلة البحث عن الكينونة

"الفَرْدُ العَرَبِيْ عَدُوٌ لِلِتقَنِيَة"
د. اليامين بن تومي


في رحاب الفكر توقفت أمام هذه المقولة ودققت فيها جيدا محاولا أن أدرك السر الذي يقف خلف تأخرنا في الالتحاق بالركب والسيطرة على أسرار التكنولوجيا وخباياها وأخذت في السعي لفهم العلاقة المتناقضة بين العقل العربي والتطور الحاصل في المجال التكنولوجي لدى الغرب لكي أصل في الأخير إلى مجموعة من الموانع التي تثبت صحة الفكرة ودقة المقولة.

الصحراء باعتبارها جغرافيا جذبتني لطرح السؤال حول كيفية تعامل الفرد الغربي مع صحرائه وتطويرها والبحث فيها عن كنوز ومواد أولية ساهمت في بناء تطوره والقيام بالثورة الصناعية والانطلاق في كبسولة نحو الحضارة عكس الفرد العربي الذي انتقل من التصحر الجغرافي إلى تصحير العقل وما نجهله هو أن اللُّب من جنس المكان والعربي نجح في أن يسكن المكان ولكن لم يجتهد في تجميله لأن الصحراء هي شقيقة الموت عند الفرد العربي وهذا ما يثبته تعايشهم قديما في كتلة واحدة وهي القبيلة التي تساعدهم على التكاتف وتمنحهم القوة لأجل حماية أنفسهم من الفناء.

 

البيداء ساهمت أيضا في شيوع الغرائبية كالوحوش والغيلان وغيرها من التخيلات لهذا يمكن القول أن الصحراء تبنت العجائبية والمدينة احتضنت العلم والتكنولوجيا ومن زاوية أخرى يعتبر العقل التحريمي أحد الأسباب التي حالت دون الدخول للمجتمع الصناعي والبحث فيه والانطلاق في العمل على تطويره فالإنسان العربي يعيش وضعا مرتبكا وقلقا بمجرد الاصطدام بآلة صناعية أول ما يستفسر عنه الفرد هو هل حرم العلماء هذا الاختراع أم لا؟

 

العرب يتسابقون لشراء الأسلحة والاقتتال فيما بينهم، إذ لم يتحرك الفرد العربي مطلقا للعمل على ثورة صناعية خاصة به والبحث فيها ومنافسة الدول الغربية في إنشاء وابتكار أحدث الموديلات

وخير دليل في التحريم هو قيادة المرأة السعودية للسيارة وهو ما منعها من القيادة والتنقل وتأجيل نشاطها إلى حين خروج دار الإفتاء بقرار يبيح قيادة المرأة في المملكة للمركبات فالعقل التحريمي يعتبر عائقا من العوائق التي ساهمت في قطع العلاقة بين الفرد والتكنلوجيا وجعلها مرتبطة دوما بقرار يبيح أو يمنع التماس بين العربي والحداثة.

أيضا غياب التقنية عن حماية الثقافة ولأن الإنسان العربي صاحب المؤسسات والمصانع والشركات لم يصل بعد إلى مستوى يمكّنه من ربط العلاقة بين التقنية والثقافة في حين أن الفرد الغربي يؤمن بأن الثقافة هي من تصنع التطور والتقدم لهذا نجد في الغرب أصحاب الشركات والمصانع هم من يمولون الملتقيات العلمية والندوات والأبحاث ودعمها بكل ما تحتاجه على خلاف ذلك فالفرد العربي لم يستطع ربط العلاقة بين التقنية والثقافة إذْ لا يمكن أن تجد رغبة كبيرة في تمويل الأعمال الفنية والأدبية والعلمية لدى المستثمرين العرب لأن أصحاب المؤسسات يسَّبقون المادة على حساب الفكرة وهو سبب رئيسي في التخلف الذي نحن فيه وأقوى برهان على ذلك هو هجرة الأدمغة التي تعاني منها الدول العربية والمغاربية على حد سواء وذلك راجع لغياب المنح التي تساعد على تطوير البحوث والأفكار والاختراعات والأعمال الفنية الإبداعية.

وفي الجانب السياسي أيضا نلحظ مجموعة من الأخطاء الرهيبة التي تسببت في دخول العرب إلى دوامة الجهل والخوف بعد استقلال المنطقة العربية من الاستعمار مباشرة دخل العرب في صراعات تاريخية قادتهم إلى متاهة ظلماء ففي ذلك الوقت الذي كان يجب على العرب تبني الصناعة والتكنولوجيا والبحث فيها ومحاولة تطوير البرامج والمنظومات الدفاعية والتمكن منها ذاتيا كان العرب يتسابقون لشراء الأسلحة والاقتتال فيما بينهم، إذ لم يتحرك الفرد العربي مطلقا للعمل على ثورة صناعية خاصة به والبحث فيها ومنافسة الدول الغربية في إنشاء وابتكار أحدث الموديلات.

 

هذا ما رهن مستقبلهم وساهم في ضعفهم إذ ترى دمائهم مستباحة لكنهم لا يستطيعون حتى إبداء رأي أو قول كلمة في وجه القوة النووية وهذا يعود لسبب واحد وهو عدم تطلع العرب إلى تطوير أنفسهم وتقنياتهم الخاصة في الماضي فهم رهنوا أنفسهم وضيعوا عنصر مفاجأة العالم وتغييره بقوتهم وفكرهم الخاص مما سمح للغرب بالعمل وانتهاج سياسة ملء الفراغ والتفكير نيابة عن العالم العربي وجعله تابعا لكل ما هو غربي ولكن في الأونة الأخيرة تحاول بعض الدول العربية الالتحاق بالرَّكب وكسر سلسلة التبعية للآخر نحو دولة قطر ومدينة دبي اللتان تسعيان بخطى ثابتة نحو تطوير بنيتها الثقافية والصناعية والتقنية من خلال تبنيهم للعديد من المشاريع الثقافية وتطوير مدنهم العملاقة وربطها بآخر التكنولوجيات الحديثة ومحاولتها جذب المفكر والمبدع العربي ومنحه يد المساعدة في تطوير أفكارهم وتجسيدها على أرض الواقع.

تضييع مشعل العلم والتكنولوجيا نعيش عواقبه إلى اليوم وهذا ما ينعكس في الوهن الذي يعيشه العرب اليوم واحتلال أراضيهم وكل هذا يحدث لأنهم لا يملكون العامل الذي يردع كل الأعداء بحيث كنا لنتجنب كل ما يحدث لنا اليوم لو تمكنا من بسط يدنا على سر الحضارة التي يسير بها العالم اليوم وهي التكنولوجيا والصناعة كنا لنعيش في عالم مليء بالسلام والراحة والقوة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال علماء في بريطانيا والولايات المتحدة إنهم طوروا إنزيما يأكل البلاستيك، قد يساهم في محاربة التلوث في المستقبل لقدرته على التخلص من هذه المادة التي تبقى في البيئة مئات السنين.

دانت مجموعة الدول السبع الهجوم الكيميائي على مدينة دوما بالغوطة الشرقية قبل عشرة أيام، معربة عن تأييدها للجهود "المتناسبة" التي تبذلها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية مستقبلا.

الأكثر قراءة