التدوين قيمة أم بضاعة؟

يعدّ التدوين من المجالات التي اكتسحت المجال الإعلامي بعد الثورات العربية إذ اتسع مجال التعبير عن الرأي وأصبحت القضايا الاجتماعية والسياسية وحتى الفكرية معروضة على الملأ ليقدم الجميع آرائهم ويعبروا عن مواقفهم. ويعود توسّع هذا المجال بالأساس لتعدد منصات التواصل الاجتماعي وتطور الصحافة الإلكترونية وتعدد روافدها إذ تضاعف عدد الصحف والمواقع الإخبارية والمدونات.

في الحقيقة، أردت الإشارة إلى أهمية هذا المجال الذي أخذ منحى آخر في السنوات الأخيرة ليصبح ضربا من ضروب التجارة وصناعة قاعدة متابعين ضخمة مهما كانت المادة أو المحتوى الذي يُقدّم، بكل بساطة أصبحت صفة "مدوّن" مهنة العاطلين الذين اختاروا تشكيل أفاكرهم ومواقفهم وأنماط عيشهم وفق قاعدة "العرض والطلب" وما يتطلبه سوق المتابعين. وهذا ما يعكس الفراغ الذي اكتسح المجال الإعلامي عموما.

فلم يقتصر الأمر على التدوين فقط بل بلغ الصحافة عموما إذا أصبحت الصحافة كالأكلة السريعة، يكفي أن تُنشأ موقعا إخباريا تنقل من خلاله الأخبار الزائفة وتضع لها عناوين كعناوين أفلام الخيال العلمي فتصبح صحفيا وتقدّم نفسك كرئيس تحرير لموقع إخباري وتجلس على نفس الطاولة مع من قضوا سنوات من أعمارهم يدرسون الصحافة في الجامعات ويبحثون في المجال، لا أُريد بهذا أن أجعل الأمر حكرا على من درسوا الصحافة في الجامعات ولكن أعيب على ألائك الذين لم يحترموا هذا المجال بممارستهم التي استباحوا بها حرمة الصحافة بما نراه يوميا من فقر في المهنية والحرفية سواء في ما نقرأه من مقالات أو وما يعترضنا من نصوص إخبارية مُبتذلة أو وما نصطدم به من عناوين لأخبار يدخل وقوعها في دائرة المستحيل.

 

يعبّر الكاتب عن فكرته أو موقفه من قضية معينة كما يراها، أي أن التعبير يقترن أساسا بعصارة تفكيره وما توصل إليه من استنتاجات

فمن هذا المنطلق بالذات يمكن أن أجزم أن العمل الصحفي المهني والمحترف يقتصر على مجموعة القنوات الفضائية والمواقع الإعلامية على "الإنترنت"، ما دون ذلك يندرج تحت طائلة التهريج والتسلية والترويج للأخبار الكاذبة والزائفة.

والتدوين بدوره يخضع لهذا القاعدة إذ أن المادة التي تستحق المتابعة والاهتمام لا تجدها إلا في المواقع الإعلامية على الأنترنت. في المقابل رهان هذا المجال وإشكالياته متعلقة أساسا بالمادة التي يتم تقديمها خاصة المتعلقة بقضايا الشباب العربي على مستويات مختلفة (اجتماعي، اقتصادي، فكري…).أي أن غاية التدوين لم تعد نشر الوعي والتعبير عن فكرة بكل حرية بل تحولت إلى تجارة الأفكار والبحث عن الإثارة.

يكمن الإشكال أساسا في الهدف من التدوين والتعبير عن الفكرة، فإذا اعتبرنا أن المنطلق للكتابة هو الحرية ومفادها التخلص من كل القيود التي تمنع الكاتب من التعبير عن فكرته فبعد الثورات العربية رهان الحرية لم يعُد مرتبطا بنظام سياسي مستبد أو بدكتاتورية (كما أن الأمر نسبيا لأن البلدان العربية لازالت تعيش الانقلابات وتُصاب في ثوراتها) ولكن هنا سأتحدث عن الذي توفرت له كل آليات التعبير الحر عن أفكاره لكنه لازال سجين رغبته البشرية التي تجعله يعبّر من منطلق أنه سيعرض بضاعة لا بد لها أن تلقى استحسان المتابعين أو أنه فشل آليا في التعبير.

لنتحدث أولا عن فكرة التعبير كمنطلق للتحليل، يعبّر الكاتب عن فكرته أو موقفه من قضية معينة كما يراها، أي أن التعبير يقترن أساسا بعصارة تفكيره وما توصل إليه من استنتاجات وما أحدثه من مقاربات بعيدا عن التفاعلات المنتظرة أو السائد، وهنا يتجلى معنى الحرية تاما، وهو أي أن يحيط الإنسان بجميع الأفكار والخيارات ويعلم مآلاتها ويظل في كل هذا مخيّرا ورهانه الوحيد هو التخلص الرغبة البشرية.

 

هذه الرغبة التي ستجعله يقدّر موقفه ضمن السائد الذي سيجعله رمزا ويجعل موقفه محل استحسان وإعجاب، هو أساسا صراع كل شخص اختار أن يعيش حرا ومسؤولا حتى أمام ذاته ولذلك أعتبر أن الكتابة قيمة إنسانية تنفي عن الإنسان العشوائية والعبثية لتحقّق تناسقا وانسجاما عظيما فما يكتبه أي واحد منا من المستحيل أن يُعيد أي شخص غيره كتابته بنفس الصيغة ونفس العبارات وهنا نتحدث عن التفرّد والتميّز الذي يؤول بنا ضرورة للتعبير بصدق وحرية.

من هنا هذا المنطلق وجب أن يعبّر كل فرد أراد لذاته الطمأنينة والخلود، لسنا تُجّارا نقدّم بضاعة وفق طبيعة الناس أو رغباتهم، ولسنا عاطلين عن التفكير ليفكر الآخرون عوضا عنا ونحن نروّج لأفكارهم دون سابق تفكير، فغالبا ما تأخذنا حمية الجماعة نحو تنبي أفكار ومواقف دون وقفة حقيقية الهدف منها التفكير الموضوعي والحر.

ربما كان التدوين المجال الذي لجأنا إليه لنملأ الفراغ ونسدّ الشغور في ذواتنا لا لشيء لأنه الطريق السريعة نحو الأضواء والشهرة ونيل إعجاب الناس ورضاهم

كل واحد منا عندما يمسك قلمه لا بد أن يستحضر هذا المعنى ليكون تعبيره حرا وصادقا ولا يمكنه التأكد من ذلك إلا إذا اتخذ ذاته منطلقا وأقدم على المجازفة، فهذا الانتقال يحتاج في كل مرة ضريبة يدفعها صاحبها ولا تُدفع بالنيابة لأنه في النهاية هو الذي خاض الصراع بتفاصيله واستغنى عن شعور اللذة والراحة لفترة ليحقّق بذلك ذاته.

ربما بدأ المقال بالحديث عن أدعياء الصحافة الذين لا علاقة لهم بالمجال وآل الأمر إلى الحديث عن الذات وأسرارها، وهي منهجية متعمدة أردت أن أبين من خلالها أن الإشكال له خلفية فلسفية متعلقة بآليات التفكير والتفاعل والتعامل مع التجارب، إن خوض التجربة بكل تفاصيلها يشكّل وعيا إذا ما امتلكنا في كل مرة آليات خوض التجربة وكيفية الخروج بخلاصات منها ما دون ذلك هو الفشل التام الذي لا يمكن للزيف أن يحجبه.

ربما كان التدوين المجال الذي لجأنا إليه لنملأ الفراغ ونسدّ الشغور في ذواتنا لا لشيء لأنه الطريق السريعة نحو الأضواء والشهرة ونيل إعجاب الناس ورضاهم لما نعتبر في الأمر من مدعاة للراحة والنشوة الحينية لكن الرغبة البشرية التي تمسكت بنا وأغرقتنا بين تلابيبها جعلت من الراحة الحقيقية راحة زائفة تزيدنا بعد كل تجربة مزيدا من الاغتراب وتُزيّن في نظرنا الشعور بالهزيمة.

إن التدوين بهذه الصيغة القائمة على مبدأ العرض والطلب هو انعكاس لإشكالات فلسفية متعلقة بالشباب عموما وتوجهانهم وتشكل الأفكار عندهم كذلك العمل الصحفي على قارعة الطريق الذي لا صلة له بالصحافة كعلم قائم الذات له قواعده، يعبّر اليوم عن غياب للمسؤولية واللجوء المستمر للقوالب الجاهزة التي تجعل من هزائمنا انتصارات وهمية وتجعل من الوهم حقيقة في نظرنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وصف المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي الرئيس ترمب بأنه كذوب وغير مؤهل من الناحية الأخلاقية لكي يكون رئيسا للولايات المتحدة. ورجح أن لدى روسيا ما تبتز به ترمب.

تبدأ المحكمة العسكرية شرق القاهرة اليوم الاثنين أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة. وقال رئيس فريق الدفاع إنه سيطلب التأجيل للاطلاع على التحقيقات.

الأكثر قراءة