ما أهوننا على الله..

blogs نقود

ما رأيت عقوبةً قط أشدّ من عقوبة أكل الربا، تلك العقوبة المركّبة في الدنيا والآخرة، حتى صرت أخشى على الأمّة من تلك العقوبة، لأن جميع من اشترك في معاملة الربا (ملعونون) كما في الحديث الشريف في صحيح مسلم: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أكل الربا، وموكلهُ، وكاتبهُ، وشاهديه) وقال: هم سواء، أي في اللعن.

 

وبما أن معنى اللعن هو الطرد من رحمة الله، فإنه يُخشى على الأمة من الطرد من رحمة الله، لأنه من تعفّف منّا عن أكل الربا، فقد يكون مساهماً في بنك أو مؤسسة تمويل (موكله)، أو قد يكون موظفاً في بنك أو مؤسسة تمويل (كاتبه)، أو قد يشهد على المعاملة أو يكفل المدين (شاهديه)، وبذلك فإن اللعن مشترك به جميع هؤلاء، وأزعم بأنّه ما أصاب الأمة ما أصابها إلّا بجريرة هذا الذنب، والله أعلم.

ولم تقتصر عقوبة الربا على (اللعن) فقط، فانظر معي في سورة البقرة هذه العقوبات:
1- "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" تخيّل معي حال الناس يوم القيامة: يقوم الناس يوم القيامة من قبورهم حفاة (لا يرتدون نعالاً)، عراة (لا يلبسون ثياباً)، غرلاً (غير مختونين)، سراعاً، كأنهم جرادٌ منتشر، أو فَرَاشٌ مبثوث، لا يُضلّون طريق الموقف، ويشتدّ الهول بالناس حتى أن الانبياء لا يشفعون للناس ويقولون: (نفسي نفسي) وإنما يريد الناس الشفاعة حينئذٍ لكي يُعجّل لهم الحساب.

 

وليس الشفاعة المرجوّة حينها لدخول الجنة، أو النجاة من النار، لشدة الموقف، وطول مدة الحشر، وهوْل المشهد، فإذا كان الحال كذلك بالناس أجمعين، فكيف بحال أكل الربا الذي توعّده الله تعالى بحالٍ معيّنة يوم البعث وهي القيام كمن يتخبّطه الشيطان من المسّ، وشرح ابن كثير هذه الأية بأنّ أكل الربا (يقوم كالمصروع حال صرعه) وقال ابن عباس: (أكل الربا يقوم يوم القيامة مجنوناً يُخنق).

نستخدم السِبحة للزينة، ونستخدم القران كتميمة في بيوتنا وسيّاراتنا، ونُصوّر الفقير حين نعطيه صدقة، ونريد من الله أن ينصرنا.. ما أهوننا على الله لأننا عصيناه، فاللهم أصلِح حالنا

هل تظن بأنك ستمكث في هذا الموقف يوماً أو بعض يوم؟ لا والله، إنها خمسون ألف سنة، كما أخبر الله عزّ وجلّ، ياه.. إنّه يوم طويلٌ عظيمٌ، هل تشتري قرضاً ربوياً بخمسين ألف سنة؟ هل تستهين بأكل الربا، والذي إن قُدّر لك أن تعيش وتستمتع به، فإن مدة المتعة هذه كم ستكون؟ سنة؟ عشر سنين؟ عمرك كله؟ هل تشتري هذه المتعة (والتي أشكُّ بأنها كذلك) بخمسين ألف سنة؟

2- "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا" ومعنى المحق كما شرحه ابن عباس: النقص. ويقال للهلال اذ يذهب رويداً رويداً: المحاق، وكذلك مال الربا، فإنه يذهب بالتدريج من حيث لا يشعر، فإما أن يذهب مال الربا كلّه، أو ينزع الله منه البركة فلا يُستفاد منه، فتخيّل تجارتك التي أنشأتها من مال الربا وقد ذهبت وبقيت الحسرة، وتخيّل البيت الذي اشتريته من مال الربا وقد هُدم أو حُرق أو حجزه البنك أمام عينيك، وتخيّل سيارتك وقد اقتنيتها من مال الربا، وقد أصابها حادث ما، بالله كم ستدوم متعتك بها؟ بل ستعقبها حسرة بعد حسرة، هذا إن سلم أهل بيتك أو سلمت أنت.

3- "فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" والله لم نقوَ على حرب اليهود وقد احتلوا المسجد الأقصى منذ ستون عاماً، والله لم نقوَ على حرب الكافرين الذين يعذبون المسلمين في مينامار، والله لم نقوَ على حرب المجوس وقد تمكّنوا من العراق وسوريا وإيران، بل والله لم نقوَ على حرب أنفسنا التي بين جنوبنا، وقد زيّنت لنا المعاصي وحبّبتها إلى قلوبنا، فهل سنقوى على حرب الله ورسوله؟ هل نحن مستعدون لخوض هذه الحرب؟ وأي نوع من الحرب هي؟ لا ندري، قد تكون حرباً على شرفنا أو مالنا أو أولادنا أو أهلينا، أو بيوتنا ومتاعنا، أو على ذلك كله، فهل سنقوى على هذه الحرب؟

وبعد كل ذلك، والله لا تتجافى جنوبنا عن المضاجع، ونهجع الليل كلّه، ونستخدم السِبحة للزينة، ونستخدم القران كتميمة في بيوتنا وسيّاراتنا، ونُصوّر الفقير حين نعطيه صدقة وننشر الصورة على فيس بوك (هذا إن تصدّقنا)، ونتمتم بالسور القصيرة من القران إن مرض أبناؤنا أو تعرّضنا لحادث، ولا تعرف الأسحار لنا قياماً، ولم تحفظ الملائكة لدعائنا اصواتاً، ونريد من الله أن ينصرنا… ما أهوننا على الله لأننا عصيناه، فاللهم أصلِح حالنا.