حرية الرأي أمام عنف السلطة!

BLOGS حرية التعبير

إذا كان كل فرد شَيد تفكيره بِنَاء على حقه الطبيعي، الذي يقتضي بأن يفكر بحسب ما يتراءى له، فإن أية محاولة لإرغام أفراد ذوي آراء مختلفة وشخصيات مُستقلة على ألا يقولوا إلا ما تقرره السلطة وترضاه يؤدي إلى عواقب وخيمة، حيث تكون السلطة السياسة أشد عنفاً إذ أنكرت على الفرد حقه في التفكير والتعبير عما يدور في خلده.

إذ يستحيل سلب الأفراد حريتهم في التعبير كلية، ولنا أن نسجل رأي -إسبينوزا- في هذا الصدد: "لا يمكن أن يخول أحد بإرادته أو رغماً عنه إلى أي إنسان حقه الطبيعي أو قدرته على التفكير وعلى الحكم الحر في كل شيء، وعلى ذلك فإن سلطة تدعي أنها تسيطر على الأذهان إنما توصف بالعنف، كما تبدو السيادة الحاكمة ظالمة لرعاياها ومغتصبة لحقوقهم عندما تحاول أن تفرض على كل منهم ما يتعين عليه قبوله على أنه حق."

من الإنصاف أن نقول، أن من حق السلطة العليا اعتبار من لا يشاركها في رأيها -مشاغباً عاصياً- يهدد السلام الداخلي للدولة!، لكننا هنا نبحث في حق الفرد في التعبير عن رأيه، هم يَنسون أننا إنما نمتاز عن الحيوان بقوة التفكير، وإذا فقد الأفراد حرية التعبير عن أفكارهم أصبحوا يرددون كالببغاوات آراء الغير وألفاظه وكقطع الشطرنج يحركها اللاعبون حسب مشيئتهم.

في الدول العربية على الرغم من وجود بنود في دساتير بعضها تضمن حرية الرأي والتعبير إلا أنها تبقى أسيرة إطارها الشكلي، حيث الانتهاكات والتعسفات كثيرة لحرية الرأي

والمواطنون الذين يُعتَقلون، لا لشيء سوى التعبير عن أرائهم، ويزج بهم في غيابات السجن تبعاً لرغبة السلطة العليا التي تسلبهم حقهم في حلاوة الحياة، ليعيش الفرد مروعاً مرعوباً، وقد يقول البعض ان مصلحة الدولة تستلزم سلب الأفراد حريتهم وتجريدهم من حق نقد أعمال الدولة ولكن التضحية بحرية رأي الفرد معناه التضحية بما يمنح الإنسان إنسانيته ويجعل للحياة قيمة، والدولة الديمقراطية هي التي تعمل على منح الفرد الفرصة في توجيه سياسة الدولة، عن طريق إعطاء صوته وتمثيله وتمكينه بذلك من المشاركة في بحث شؤون الدولة، وهي بذلك توسع المجال لتجارب الفرد وتشجع قواه الخالقة، لكن النظم الديكتاتورية لا تكلف نفسها هذا العناء فتعمد الى سحق كافة الحريات خاصة حرية الرأي، وكل الأراء توصف بأنها داعية للفتنة وتهدد أمن الدولة الداخلي، وهو حل هين لكنه يخمد الذكاء الإنساني ويهيئ الجو للعقلية المستعبدة والنفوس الذليلة.

إن سلب الأفراد حريتهم، والقضاء على استقلالهم بحيث لا يمكنهم التفوه بكلمة، كما يحرم عليهم الكتابة ضد هذا أو ذاك، فالنتيجة الحتمية لذلك تضيع الثقة وتقوى شوكة التملق والفساد، وتبقى الدولة بلا دعامة داخلية لتفعل أجهزة الدولة ما تشاء وما تريد، وبالتالي تنشأ الجماعات السرية المناهضة للحكم فيقضي على أمن الدولة. وعليه فسلامة الدولة في أن يترك لكل فرد حريته في التفكير والتعبير بحيث يعيشون في سلام واطمئنان بالرغم من اختلافهم وتعارضهم في الآراء، ولا شك بأن هذه الطريقة في الحكم هي أكثرها اتفاقاً مع الطبيعة الإنسانية.

ففي الدول العربية على الرغم من وجود بنود في دساتير بعضها تضمن حرية الرأي والتعبير إلا أنها تبقى أسيرة إطارها الشكلي، حيث الانتهاكات والتعسفات كثيرة لحرية الرأي في هذه الدول والتي يتعرض فيها الكاتب أو الصحفي للسجن والتعذيب، ثم إن أسوأ موقف توضع فيه الدولة هو ذلك الذي تبعث فيه الى السجون الشرفاء وكأنهم مجرمون، جريمتهم اعتناق آراء مخالفة والوفاء لمبادئهم والتضحية في سبيل الحرية، وهكذا كلما قلت حرية الرأي عند الناس، اشتد عنف السلطة وأصبح القمع الدعامة الأساسية للحكم.

وأخيراً، فالدولة الديمقراطية هي التي تمكن كل فرد من تلقي العلم ليتثقف عقله وتتعدل روحه، ويستطيع أن يدرك الحق ويميز القيم وتنمي ملكاته الانتقادية حتى يستطيع أن يتخلص من عبودية الاعتماد على تفكير الأخر، وتزوده بتفكير مستقل ولا يمكن الادعاء أن هكذا وضع مضاد لمصلحة الدولة، لإن التفكير الديمقراطي يؤمن بأن أراء الإنسان الأخلاقية والسياسية هما من اختصاصه وشؤونه فمن حقه أن يكون له الحرية فيهما دون تدخل الدولة .فالدولة لا تفرض علينا كيف يجب أن نعيش، وعلى أي نمط نفكر، وإنما يجب أن تدفع عنا العقبات التي تعترض جهودنا وتعتاق تفتح ملكاتنا.