ماذا عن الله؟!

blogs تأمل

أرفع عيني إلى السماء أتأمل صفحتها في هدوء لن يتكرر فسواد الليل أسكت كل همس حتى نبض قلبي، أشعر أن قدماي ترتفع عن هذا السطح الذي طالما قيدها بقيود لا تفارقها ما أن تنفك عن إحداها حتى تلتصق بالأخرى، الأن انفصل بالكلية عن تلك البقعة الصماء، أسبح في فضاء واسع حي في رحلة بحث عن معلوم ولكنه معلوم بالوراثة لم يلامس شيء مما أملك من حواس، لا اعلم لماذا ذهبت عيناي في البحث إلى أعلى ولم تتخذ أي من الاتجاهات الأخرى وكأن هذا الطريق من كثرة سالكيه قبلي أصبح له معالم فتحسست عيني تلك المعالم بفطرة فُطرت هي عليها، الأن أشعر أني لست بحاجة إلى تلك اللامعتين وكأن مهمتهما قد انتهت، الأن أسدل تلك الجفون على عيني وأبدأ رحلة البحث.. البحث عن الحقيقة.

  
تعلمت الصلاة عن أبي كنت أقلده في كل حركة وسكنة وتكبيرة وتسبيحة، لم تكن الصلاة فقط التي اقلده فيها بل كل شيء، حالي كحال أي طفل شرعه في الفعل فعل أبيه وامه، ظللت على حالتي تلك طيلة عمري انتقل من تقليد إلى تقليد ومن منسك إلى أخر فذاك العام هو عام تعلمت فيه الصلاة ويليه عام الصيام ثم الصدقة، لم يتوقف الأمر عند كونه تقليد بل أصبح تطبّع فعندما أخرج من حرم الأسرة إلى ساحة المجتمع كانت تضاف إلى حصيلتي أمور أخرى لها من القداسة مثل ما ورثته عن أسرتي، إلى أن استوقفني مشهد قرآني جعلني أعيد النظر في الأمر برمته مرة أخرى، وهو مشهد متكرر في سورة هود تعرضه لنا تلك الآيات:

 
"قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" هود – 62 –
"قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ" هود – 87 –
"فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ" هود – 109 –

 

الإيمان بالله ليس إرث يورث بل هو قناعة تنتجها المعرفة تلك المعرفة استهلكت كل حواسنا، فلقد عرفنا الله بأسماعنا وعرفناه بأبصارنا ثم تجلت قلوبنا لتحسم الأمر

فهؤلاء فعلوا مثلما فعلت بالضبط، فهم بتلك الثقة التي زرعت في الطبيعة البشرية تجاه آبائهم قلدوهم وتمسكوا بما قلدوهم فيه وأصبح هذا التقليد إرث يبذلون كل جهد للدفاع عنه وفي نفس الوقت ينتابهم الشك، ومما علق بذهني بل والتصق به بعد تأمل هذا المشهد أن الفكرة التي تُبنى قواعدها على القليد هي فكرة هشة ما بالك إذا كانت تلك الفكرة هي صلب العقيدة والتي لا يحدها حد عالمنا فقط بل تمتد إلى عالم أخر مجهول سمته الرئيسية الأبدية، ماذا لو كنا على خطأ؟!

  

سلمان الفارسي هذا الرجل الذي لقبوه بالباحث عن الحقيقة هو أيضاٍ همه م أهمنا ولم يكتفي بهذا الإرث الذي شعر بهشاشته بل انطلق في البحث عن أساس صلب يشعره بالأمان ويدفع عن عقله حقلة الشك التي لاتزال تدور حوله إلى أن وصل إلى مراده وأصبحت حياته حياة آمنة وبكل ثقة ينتظر الانتقال إلى الدفة الأخرى حيث العالم الأبدي.
  
من وقتها انطلقت أنا الأخر في البحث فأنا لم أكن أستطيع أن أكمل حياتي بهذا الشك والذي لم يتوقف يوماً عن تصدير الخوف إلى قلبي، لقد مرت علي ليالٍ لم أستطع فيها النوم فهناك سؤال مفترس ينهش في عقلي بوحشية ليس لها مثيل، ماذا لو؟!، فذهبت أركض في البحث وحدي في هدوء، اكتشف أن معرفة الحقيقة ليست بالأمر الصعب فالطريق إليها معبّد وطبعت على الأرض أثار من كثرة سالكيه، وكل عابر ترك خلفه نبراساً وكأنه كان يعلم يقيناً أنه لن يكون العابر الأخير، فسلمان لم يكن وحده من عبر بل هم كثر.
  
عدنا ولكن بيقين صلب لا يقوى عليه شيء، فلقد عرفنا الحقيقة، لقد عرفنا الله، واقتطعنا لتلك المعرفة سنوات غالية من اعمارنا، عدنا بإيمان عميق ولد من رحم المعرفة فالإيمان بالله ليس إرث يورث بل هو قناعة تنتجها المعرفة تلك المعرفة استهلكت كل حواسنا، فلقد عرفنا الله بأسماعنا وعرفناه بأبصارنا ثم تجلت قلوبنا لتحسم الأمر، فلقد عدنا بحب امتلك القلب والجوارح، اننا الأن لا نحب الله وراثة بل نحبه معرفة.