قيامة أرطغرل ومأزقنا الثقافي

أن يحقق مسلسل تليفزيوني غير ناطق بالعربية كل هذا النجاح الساحق، أن يصل إلى عمق مجتمعي عربي لم يسبق أن وصل إليه مكون ثقافي أو فني عربي أو غير عربي، أن يؤثر في الوجدان والعقل الجمعي كل هذا التأثير لحد تسمية البعض مواليدهم باسم أبطاله، وأن يكون هذا العمل على ذاك القدر من الجدية والهادفية والرمزية وعمق المعنى، فكلها أمور تستحق التوقف الفاحص، والتأمل الطويل، والدراسة المتعمقة.
   
خرج المسلسل التركي في وقت عصيب دقيق ربما لم يشهد التاريخ الإسلامي الطويل كله على كثرة ما به من أهوال ومآس مرحلة أكثر دراماتيكية من تلك التي نمر بها، حصار خانق يضرب على الأمة من الداخل والخارج، بينما يمر الربيع العربي بحالة من الموت السريري الذي ينذر بانتهائه تماما رغم قصر عمره، إحباط هائل وخيبة أمل عميقة أقعدت كل الشباب الساعي إلى التغيير عن مجرد الحلم، فانصرف بعضهم إلى شأنه، وأصيب البعض بأمراض نفسية، وفقد بعضهم حريته أو أحد أطرافه أو عينيه أو حياته نفسها، أو أي معنى لها، وربما ألحد البعض، وظل البعض حبيس فكرة الانتقام حتى بالتحالف مع الشيطان.
   

نحتاج إلى خلق جيل جديد، يعرف كيف يستثمر النجاحات، ويتعلم من الأخطاء، ويقتنص الفرص، ويتجاوز التهديد. جيل لا يغفر لخاطئ، ولا يعفو عن خائن، ولا يتساهل مع ظالم

يأتي أرطغرل ليبعث في تلك النفوس الأمل من جديد، يستنهض أنفسا قتلتها الهموم وكسرتها الأحزان، يأخذ بيدها ليجدد فيها العزم، ويبث فيها الحياة، يعلمها كيف لحفنة من الرجال أن تغير قدر الأمة، أن تقمع الظلم، وتكسر القيد، وتحمي الضعفاء، وتنصر المظلومين، كيف يمكن لرجل واحد -صحت رجولته- أن ينقذ أمة، وأن يبني دولة عظيمة حكمت العالم لثمانية قرون، وكيف يمكن لقلة من الشباب المغمور لا يعرفه أحد، ولا يعنيه تصفيق الجماهير وهتافات الإعجاب ونظرات الانبهار، رفقاء في درب اللاشئ، حيث لا مغنم ولا منصب ولا جاه ولا ذكر، باستطاعتهم أن يخوضوا غمار الأهوال، ويحطموا أساطير الطغاة.
   
أحيا أرطغرل ورفاقه روح البذل والجهاد والتضحية في القلوب المريضة المثقلة بالأسى، أعاد إلى الأذهان مصطلحات كادت أن تندثر تحت وطأة الهول وقسوة الواقع، مصطلحات كطريق الدعوة، وتربية الجيل، وصيانة المجتمع، والقيام بالمسؤولية، لا يكاد يمر مشهد من مشاهد المسلسل إلا ويحمل في طياته معنى أو مغزى أو عبرة أو درس أو حتى لمحة، والحق أن النص -وإن تجاوز أحيانا حقائق تاريخية ثابتة- إلا أنه قد كتب بعناية فائقة تسقط أحداثه على واقعنا وأزمتنا الحضارية الراهنة بطريقة لا تخطئها عين مدققة، ولا يفوتها ذهن مفكر، ويربط بين دروس السيرة النبوية والحقبة التاريخية التي تتناولها أحداث المسلسل، ويسقطها على الواقع الحاضر في رشاقة ورزانة وذكاء، فيستخلص المنحة من قلب المحنة، ليستشرف من خلالها مستقبلا قريبا مشرقا، قصد صناع المسلسل إرسال إشارات ورسائل واضحة غير ملتبسة لإمعان النظر فيها، وتأملها بروية وتؤدة.
    

 

ولكن كعادة مجتمعنا في تسطيح كل معني، وتقزيم كل جليل، والانبهار بالمظهر على حساب الجوهر، ضربت قيمة هذا العمل عند الكثيرين في مقتل، فانشغلوا بتتابع الأحداث وتسارعها، ومشاهد القتال ولحظات الشاعرية عن المقصد الحقيقي الذي أراده صانعوه، فبين كل حلقتين، تنتشر مئات المقاطع المصورة على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، تضع سيناريوهات (خائبة) للأحداث المتوقعة في الحلقة الجديدة، وما يطلقون عليه (تحليلا) لإعلانات الحلقات التي تنتجها الشركة المنفذة للعمل، تحقق هذه المقاطع آلاف المشاهدات رغم سذاجة معظمها وسخافته واستخفافه بعقول مشاهديها، صار جل اهتمام المتابعين منصب على الحدث لا المعنى، الإثارة لا الإفادة، ننتظر بفارغ الصبر مشهد موت أحدهم ، تتوقف أنفاسنا وتتسارع ضربات قلوبنا أملا في إنقاذ إحدى بطلات المسلسل من خطر محدق، تكال الانتقادات اللاذعة للمؤلف والمخرج بسبب موت أحد الأبطال، أو مماطلته في قتل الوزير الشرير الخائن، وإطالته في الأحداث عمدا بغية تشويق المشاهدين وزيادة المشاهدات، تحول هذا العمل الضخم إلى مجرد حلبة مصارعة ننتظر فوز بطلنا المحبوب فيها على خصمه بالضربة القاضية !!
 
تطور الأمر إلى مستويات مستفزة قميئة من هشاشة الفكر وسطحية الرؤية، قلما تجد من يتناول المسلسل تناولا صحيا هادفا لاستخلاص الدروس والعبر، وجميعها كانت في شكل مقالات مقروءة تخاطب طائفة المثقفين والقراء فقط، وعلى الرغم من تهافت تناول أكثرها وقصور النظرة النقدية بها، ألا أنها على كل حال محاولات جيدة.
 
كشف هذا التناول السطحي عن واقع ثقافي مهترئ، وأزمة حضارية كبرى تحتاج إلى تضافر كل الجهود المخلصة المبدعة وتوجيهها في حركة توعوية إصلاحية شاملة نحو الارتقاء بوعي شبابنا وثقافتهم وطريقة تفكيرهم، وأنماط شخصياتهم، وتطوير قدراتهم وإمكاناتهم، وإكسابهم النظرة النقدية المتفحصة.

 
نحتاج إلى خلق جيل جديد، يعرف كيف يستثمر النجاحات، ويتعلم من الأخطاء، ويقتنص الفرص، ويتجاوز التهديد. جيل لا يغفر لخاطئ، ولا يعفو عن خائن، ولا يتساهل مع ظالم، ولا يخضع لمستبد. جيل زاده الإيمان، وسجيته التواضع، وسلاحه المعرفة، وطريقه الحق والعدل، وغايته السلام. جيل يؤسس لدولتنا من جديد.



حول هذه القصة

مع تزايد نسبة المسنين بكثير من البلدان وما يفرضه ذلك من تحديات جديدة، تبحث الدول عن أنجع السبل للتعامل مع هذه الظاهرة بما في ذلك إعادتهم إلى مقاعد الدراسة.

15/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة