عندما تضيع الغاية!

blogs-الشباب

لا شك أن هذه الأيام محنة عظيمة للأمة بشكل عام، وللحركات الإسلامية بشكل خاص، وأخطر ما يصيب الأفراد في المحن خطر الهزيمة النفسية؛ الذي يجعلهم يفقدون بوصلتهم، وتضييع غايتهم، فيصبحون كالذي يعيش في ظلمات كبحر لجي تغشاه الفتن من كل مكان، وتلقي به في مكان سحيق.

 

وبنظرة متفحصة واعية لحال شباب الأمة الآن -وفي القلب منهم شباب الحركات الإسلامية- نجد أن معاييرهم قد انقلبت، وغايتهم قد ضاعت، فأصبحوا يرتدون ثوبا غير ثوبهم، ويتلمسون قدوات هي أبعد ما تكون عن فكرهم ومنهجهم، وهذا أمر خطير حذر منه الجيل الأول، وأطلق صيحة إنذاره صاحب السر وكاتمه حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- عندما سئل متي يعرف الرجل أن الفتنة قد أصابته؟ فقال: "فإن كان رأى حلالا كان يراه حراما فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حراما كان يراه حلالا فقد أصابته الفتنة".
 
نعم إنه انقلاب المعايير، وضياع الموازين، ليس عن اجتهاد ورجوع للحق، ولكن عن زيغ واتباع هوى!! وبالمثال يتضح المقال؛ حيث نجد الآن من ينادي الحركة الإسلامية من شبابها وأبنائها أين الحجاج بن يوسف وأين أبو مسلم الخراساني فيكم؟ وهل هناك انقلاب في المعايير أكثر من هذا؟!
 
وكأنهم لكي يصلحوا خطأ قادتهم، وسذاجة تصرف حركاتهم يريدون تحويلها إلى حركات سفاكة للدماء، فأعمى الانتقام أعينهم، وران على بصيرتهم، فأصبحوا يتلمسون القدوة في طغاة الزمن الماضي، وكأن طاغية الماضي غير طاغية العصر؟ فالحجاج هذا الذي قتل قرابة المائة ألف صبرا، وأهان الصحابة والتابعين والأولياء!!

 

يا شباب أمتنا لا أدعوكم لترك القوة التي تجعلنا مها بين الجانب، ولكن لا نجعل المحنة دليلا لالتماسها في غير طريقها الصحيحة!

فمثله مثل طغاة العصر لا فرق بينهما في الظلم والطغيان، وإن كان له حسنات ليست لهؤلاء ؛ كما قال الإمامُ الذهبي في "السير" (4/344) في ترجمتهِ للحجاج: وَكَانَ ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ، وَإِقْدَامٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَبَلاَغَةٍ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ … وَلَهُ حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، وَلَهُ تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ، وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ وَالأُمَرَاءِ .ا.هـ.
  
ولكن تخيلوا هؤلاء الشباب الذي يقيم الدنيا ويقعدها من أجل ما يراه من طغاة العصر يلتمسون القدوة عند رجل هدم الكعبة بالمنجنيق !! بالله عليكم لو رأيتم بأعينكم هذا المشهد، بيت الله يُحاصر، والكعبة تُهدم، وبعض الصحابة يُذبح، ويعلق حفيد الصديق على الجزع ويكبروا قاتلوه؛ فيقول ابن عمر قولته الشهيرة " الذين كبروا عند مولده خير من الذين كبروا عند موته!" ويلتمسون قدوتهم الثانية في أبي مسلم الخراساني، ولن أطيل الكلام حول هذا السفاح السفاك الذي سفك دماء قرابة الستمائة ألف شخص!!

 

ولكن سأشير إلى قولة إمام عصره وشيخ المحدثين الذي جمع (الحجاج وأبا مسلم) في مقولة واحدة، فعندما سُئل عبد الله بن المبارك وقد رأى أبا مسلم وسمع منه: "أهو خير أم الحجاج؟" فقال: "لا أقول إن أبا مسلم كان خيرًا من أحد، ولكن كان الحجاج شراً منه".

فهل هذه هي القدوات التي يبحث عنها أبناء الحركة الإسلامية في محنتهم؟! فلا نعجب إذاً إذا جاء بعد عقودٍ من الزمن من يلتمس القدوة في السيسي وبشار وغيرهما بحجة إحكام الدولة، وقتل الخصوم، والحفاظ على العرش!!

 

يا شباب أمتنا لا أدعوكم لترك القوة التي تجعلنا مها بين الجانب، ولكن لا نجعل المحنة دليلا لالتماسها في غير طريقها الصحيحة! فلنلتمسها عند الفاروق بعدله وحزمه وعلى شاكلته نور الدين وصلاح الدين والفاتح وغيرهم ممن أعملوا السيف بحقه، فذهبوا وبقيت الدعوات تتنزل عليهم تتري .ولا تلتمسوها عندما من تطاردهم اللعنات بعد مئات السنين، فتكون قد سلكتم دروباً وعرة، وضاعت غايتكم العظمى !!