حياتنا بين أخذ وعطاء

"يجب أن يقرر كل إنسان إذا ما كان سيمشي في ضوء الإيثار الخلاق أم في ظلمة الأنانية المدمرة"
(مارثن لوثر كينغ)

 
هناك من يُعطي بحذر وعينيه تسبقه إلى العائد وهناك من يعطي بقدر ما يأخذ، كما أنه هناك من يعطي الكثير فقط ليأخذ الكثير، وهناك من يعطي ولا ينتظر جزاء أو مقابل من بعد. أود في هذا الموضوع أن أوجه حديثي عن قيمتين أساسيتين في الحياة هما الأخذ والعطاء give and take، فإذا نظرنا إلى المصباح، نرى أنه يأخذ الطاقة مقابل ما يعطيه من النور.

 

الموضوع ليس محدود بفئة معينة فقد يكون نفس الشخص في موقف الآخذ أو المعطي بشكل تبادلي مع تغير في أحداث الحياة وتقلبها. لكن المشكلة أنك حين تُعطي تدفعك الطبيعة الإنسانية أن تنتظر مقابل مساوي أو أكثر مطلما أعطيته وغالبا ما تكون النتيجة محبطة لأنك لا تستطيع أن تفهم ما الذي حدث وكيف يكون جزاءك.

 

السعادة ليست كم أخذت.. بل في رضى النفس عند العطاء وعلينا أن نُدرك أن المنطق العقلي لا يستوعب هذا المبدأ الذي هو العطاء لأنه يؤمن بالحسابات المادية

ففي الصداقة، البعض ينظر لها بمنظار إما أبيض أو أسود فإما أن الصداقة انقرضت وإما أن يكون لدينا ذلك الصديق الوحيد الذي يعطينا أكثر من أن نأخذ منه. لطالما فكرة العطاء بالنسبة لي تعني الأم، فهي تتسم بالعطاء بلا حدود لأسرتها، تُعطي ولا، تقوم بواجبها كأم وزوجة، تُضحي وتعمل ليل نهار من أجل سعادة أسرتها، تأخذ من صحتها لتحرص على راحة أسرتها.

 

يمكن للعطاء أن يكون فكرة نافعة تهديها للناس لأن العطاء هنا دليل صدق، فأن تعطي لمحتاج أو فقير ما تملكه من النقود من جيبك، أو أن تحسن ليتيم وتعينه وتخفف مشاق حياته. محبو العطاء المؤثرون للآخرين هم الأشخاص ذوو اهتمام عالٍ بمصلحة الآخرين واهتمام منخفض بالمصلحة الشخصية فينمحون الآخرين وقتهم وطاقتهم بغض النظر عن احتياجاتهم ويدفعون ثمنا لذلك.

 

يرى بيل غيتس قوتان عظيمتان في الطبيعة البشرية، المصلحة الشخصية The self interest ومصلحة الآخرين Interest of others، ويكون الناس في قمة نجاحهم عندما يكونون محفزين في الآخرين. فمثلا إذا كان محبو الأخذ أنانيين ومحبو العطاء الفاشلون مؤثرين في الآخرين، فإن محبو العطاء الناجحين مهتمون بالآخرين وبأنفسهم. يظن معظم الناس أنهم سيكونون أسعد بإنفاق المال على أنفسهم. لكن العكس صحيح إذا أنفقت المال على نفسك، فلن تتغير سعادتك. لكن إذا أنفقت المال على الآخرين، فتذكر أنك أصبحت أسعد حقا بشكل كبير. وهذا هو العطاء المهتم بالذات والآخرين معا.

 

من خلال تجربتي في الإعلام وأنشطتي المتنوعة التي أقوم بها، كذلك من خلال قراءاتي ومعرفتي لشخصيات متميزة في هذه الحياة، تعلمت أن العطاء أروع قيمة إنسانية. أثناء أداء واجبنا العملي نظن أحيانا أن الوقت يمر هدرا بين ساعات وساعات بعيدا عن راحتنا وبذلك لم نعطي لأنفسنا والعالم من حولنا شيئاً يُذكر، لكن هناك راتب نتحصل عليه يذكُرنا في كل شهر. اتقانك وإخلاصك في العمل وكل مساهماتك الإضافية وحتى وإن لم تتلقى مقابلا هنا أنوه عن فكرة النية الصادقة وحب العمل. إذا فكرت للحظة أن عطائك في الحياة لم يشكل فارقا أساسيا فقصة كارلي لربما ستغير لك فكرتك في حب العطاء.

 

لا ننسى أن نُعطي لمن حولنا والمُقربون منا الوقت والحب والاهتمام، وأن لا نعتبر وجودهم في حياتنا مضمونا أو دائما.. حتى لا نشعر بقيمتهم إلا بغيابهم

كانت كارلي تركض في الأحياء المجاورة لها، رأت قلادة عند بائع المجوهرات فدخلت لتطلب منه أن يُريها القلادة، واعطته النقود التي تملك، وأخبرت صاحب المحل إن كانت النقود كافية وأن القلادة ستكون هدية لأختها الكبرى مقابل مساعدتها وتربيتها لنا بعد وفاة أمي، ولأجعلها تبتسم من جديد. أخذت الطفلة الهدية بكل فرح لأختها، حين تلقت الأخت الهدية أعادتها حالا إلى صاحبها لتخبره أنها ليست قادرة على دفع ثمنها لأنه جد باهض.. ليخبرها بائع المجوهرات أن أختك الصغيرة دفعت ثمنا كثيرا لا يستطيع حتى الكبار دفعه.. أعطتني كل ما تملك فقط وكل ما أرادته أن تبتسمي.

السعادة ليست كم أخذت.. بل في رضى النفس عند العطاء وعلينا أن نُدرك أن المنطق العقلي لا يستوعب هذا المبدأ الذي هو العطاء لأنه يؤمن بالحسابات المادية. ما يدخل إلى الجيب هو ربح، وما يخرج منه نقص وبالتالي خسارة. لكن المنطق الإيماني الذي يتعامل مع الغيب يؤمن كل الإيمان بهذا المبدأ لأنه يرى البركة والقناعة في العطاء. ما يخرج من الجيب بنية العطاء في سبيل الله يُعوض أضعافا مضاعفة وبالتالي هو ربح وليس خسارة.

 

كما لا يفوتني الحديث وأنا أنهي كتابة مدونتي الحدث المأساوي الذي ألم بالشعب الجزائري إثر تحطم الطائرة العسكرية التي كانت تقِلُ أكثر من مئتان من أفراد الجيش الترحم على ضحايا الحادثة، الدنيا أخذ وعطاء أظن أن هذه المقولة بالذات تُجيد وصف الفاجعة الأليمة.. شباب في مقتبل العمر في رمشة عين ضحوا بأرواحهم في سبيل أمن البلد، تركوا أُسرهم ومنهم من لم يرى عائلته أشهر عدة فقط لأداء واجبهم الوطني. ماذا أخذوا؟ لم يأخذوا معهم إلا حب الوطن والتضحية بأرواحهم الطيب والشهادة الأخيرة.. عطاؤهم لا يقدر بثمن فما عسانا إلا أن نتعلم أن العطاء هو أن تُعطي ما يرغب الناس بأخذه وهي صفة تُجسد النُبل والكرم، الشرف والتضحية، وأعظم تضحية أن تُضحي بلا مقابلٍ وهذه
قمة العطاء ومنتهى النقاء.

 

فلا ننسى أن نُعطي لمن حولنا والمُقربون منا الوقت والحب والاهتمام. وأن نسعى لإسعادهم بأبسط الأشياء ونعطي كل ذي حق حقه، وأن لا نعتبر وجودهم في حياتنا مضمونا أو دائما.. حتى لا نشعر بقيمتهم إلا بغيابهم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة