لأنني عربي..

مدونات - رجل سوري دمار

أنا يا عروبتي بين موتي وموتي منسيٌ لأعوامٍ على ضفافِ دوما، أكتبُ لأمي بالعربية فأسمع الرد بالإنجليزية عبر CNN، أنا يا عروبتي طفلٌ تُرِكَ مزروعاً في عراءِ المقابر شتاءاتٍ طوال، ثم سُئِل في ليلةِ رأسِ السنةِ لِمَ وجهك شاحب؟ فأجبتُ أيضاً بالعربية، أنني عربي.

 
وفي جلسةٍ طارئة للأمم المتحدة، جلستُ أنا وأبناء عمي نناقشَ لون برميلٍ متفجر أسقطتهُ سماءُ الحرية على أرضٍ كانت عربية قبل أن تتوقف البراميل، أقسم ابن عمي أن البرميلَ كانَ رمادياً وكنتُ أصرُ أنه أسود حتى أتانا البرميلُ التالي فأثبتَ ما كنتُ أقول، وأظن ابن عمي اقتنع برأيي تماماً فلقد أصابه البرميل مباشرة ولم يعد هنالك مجالٌ للإنكار، ثم سمعت صوت امي في الـ CNN كانت على قارعةِ مخيمٍ لللاجئين تنتظر الدخول وسمعتها تقول "فيتو" فحزم كلٌ منا جروحه وعاد إلى أنقاض بيته، ثم سُئلتُ لماذا ؟ فأجبتُ بالعربيةِ أيضاً.. لأنني عربي..

 
لأنني عربي، ملئتُ يوماً يداي السمراوتين بالماء وأخذت أرفعها لضفافِ شفتاي لأشرب، خالف الماء خواصه الفيزيائية ورفض الانسياب، علمت لاحقاً أنه كان حذراً في التعامل مع الشفاه السمراء دون تصريحٍ أمني، فأخذتُ أرد عين ماءٍ تدعى وطن.. نعطي رجل الأمن فيها سلاماً واستسلاماً ومالاً والقليل من أخبار البلدة وأسماءَ مثقفيها ويعطينا شربةَ ماءٍ عذبة كُتبَ على غلافها بخط مائلٍ بذاتِ ميل سورِ جارنا المتهدم " فليحيى القائد " لم يخبرونا في الصفوف الأولى من المدرسة أن هنالك دعاءً للشرب، كان دعاء دخول الحمام هو فقط ما تعلمنا.

 

في وطني ولأنني عربي.. وجوهٌ شاحبة كثيرة عادت لتأكل أوراق الشجر في القرن الواحد والعشرين، شحبت أكثر مما قد تحتمل الإنسانية لتبقى مبدأً قائم العمل به..

في المدرسةِ أيضاً أخبرونا أموراً كثيرةَ لكنهم كانوا قد نسوا أموراً أكثر.. في حصة التاريخ مثلاً لم يسجل التاريخ أبداً أن الجيوش العربية لم تُجد يوماً سوى محاربة شعوبها.. في حصة العلوم كان المنهاج مغالطا تماماً للعلم، لم يذكر كتاب العلوم يوماً أن طائرات الميغ روسية الصنع قادرة على إحداث خسوفِ الشمسِ في بضع دقائق، حتى كتاب التربية الإسلامية لم يكن واقعياً أيضاً، لا أذكر أنه أخبرنا أننا إرهابيون..

 
في الحقيقة، قد لا تكون المدرسة ملامة في ذلك.. فأنا من كان يتغيبُ كثيراً عنها.. والآن أنا لا أذهب اليها بتاتاً، أو فلندع الحقيقة جانباً فلا حقيقة مطلقة في بلادنا باستثناء أننا عرب وأننا أمةٌ ما خلت لكنها تخلت.. عليها ما اكتسبت من موتٍ وفقرٍ وجوعٍ وطغاة.. وليس لها ما تكسب.. حتى كوننا بشر فتلك نظرية ولا ترقى لتُعد حقيقة فلم يُثبت ذلك أحد حتى هذه اللحظة.

 

في وطني ولأنني عربي.. وجوهٌ شاحبة كثيرة عادت لتأكل أوراق الشجر في القرن الواحد والعشرين، شحبت أكثر مما قد تحتمل الإنسانية لتبقى مبدأً قائم العمل به.. في وطني أطفالٌ يعزفون على قبور أمهاتهم بأصبعٍ مجروح فيخرج اللحنُ، يسمعهُ الغزاةُ فيرقصونَ على الدماءِ السورية.. ويكتفي العربُ بحجزِ تذاكرِ الصفوف الأولى في أوبرا باريس كمواكبةِ للحداثة.. وأزهارٌ نبتت من ماءِ وضوءِ ثم داسها الروسُ والأفغانُ والإيرانيينَ والباكستانيين والمرتزقة من كل بقاع الدنيا.. في وطني ينامُ الشيخُ على أنقاضِ ساقيه الباليتين فوق أنقاضِ بيته الزائل تحت سماء ربه المؤصدة بالفُلكِ والشهبِ والنجومِ والميق 29.. وفي وطني بات النحرُ والجرفُ ينامُ في مرقد النحو والصرف، بتنا نتكلم بالدماء أكثر من الماء وبتنا نشم الموت أكثر من الأوكسجين، بتنا على شفا حفرة من النسيانِ أو نكاد.. بات الطفل يولد ليموت بالسيفِ أو النارِ أو الغاز.. في سوريا تعددت الأسباب وتعدد الموت.. في سوريا يموت الطفلُ حين يولد ويموت حين تقتلُ أمه ويموتُ حين يُقتلُ أبوه ويموتُ حين ينامُ في طياتِ الظلامِ والوحدة ويموتُ حينَ يُهجر ويموتُ حين يعيشُ في اللجوء ويموتُ حينَ يُسرقُ من طفولته ويحيى فقط حين يُقتل..

 

وكما كنت قد كتبتٌ يوماً:

حُلت جدائلُ أميةَ يا قوم عفتها
وخيولُ عُربٍ لُجمت في إسطبلِ إيرانا
نامت على الرمالِ تشكو لمربطها
قُصت ظفائرها للفقيه قُربانا
صهلت بلا صوتٍ ولسان الحالِ بها
يبكي نواصٍ فيها الخيرُ أزمانا
بالأمسِ عُمرٌ يُؤتى بكنزِ كسراهم
واليوم كسرى غدى للأمويِ سُلطانا
وقيصرُ الروسِ بات اليومَ يرمينا
حيثُ الرياح مالت جاء مرمانا
يا سائلاً دمشق إلى أين رحلتها ؟
هل في الطريق أثرٌ من شعر قبانا ؟
دعها ولا تسأل فيسوؤكَ القولُ
لا تسألوا فتسأكُم قد قال قُرآنَا

.. وحتى قولي..

حلبٌ حماةٌ والأم سوريا
أسماءُ ماتت وبات الدورُ يغشانا
يا قادة العٌربِ يا قمحاً بسنبلهِ
متى حٌصدتم بان السوسُ ألوانا