متى نهُم بالرحيل؟

مدونات - الموت وحيد امرأة
نولد فرادى ونبدأ في النمو شيئًا فشيئًا ونحتك بالمجتمع والبيئة من حولنا، ونكون مع الوقت روابط وعلاقات مع الناس في محيطنا. في السن الصغيرة تكون تلك الروابط مجرد امتداد لعلاقات والدينا؛ فنصير أقرباءً لأقربائهم، وأصدقاءً لأصدقائهم، وتكون ردود أفعالنا انعكاسًا لأفعالهم؛ حتى نكبر نوعًا وتصير لنا علاقاتنا الخاصة بعيدًا عن محيط الأسرة. هذه العلاقات هي أولى سمات نضجنا الاجتماعي؛ لأننا نحن من ندفع ثمن هذه العلاقات بعيدًا عن والدينا، وككل شيء في الدنيا له ثمن؛ فثمن العلاقات الاجتماعية بعدت أو قربت هو البذل.
  
في الصغر ومع أولى خطواتنا لتكوين صداقات لا نكترث كثيرًا لقاعدة الأخذ والعطاء؛ ليس مهمًا بالمرة من منح ومن أخذ، المهم أننا نملك أصدقاءً، ويكون هذا نوعًا من الميل البشري للتآلف والتخلص من حالة التفرد التي ولدنا بها؛ فيصير هاجسنا الأكبر ألا نصير فرادى، وأن نكون أكبر قدر من العلاقات بغض النظر عن صلاحيتها من عدمها. مع الوقت نشعر بثقل في بعض العلاقات التي لا تنطوي على تكافئ في الأخذ والعطاء، ولا حتى تكافئ في الاهتمام والدعم والقرب والمودة.
  
قرار الترك في هذه الحالة قد يكون قمة القسوة والعنف للبعض، ونكرانًا للعشرة التي بقيت طويلًا؛ لكن لننظر للموضوع بشيء من النضج والحيادية، نحن لسنا آلهة حتى نتقرب إلى من يتقرب إلينا شبرًا بذراع، وأن نذهب هرولة لمن يأتينا مشيًا، لسنا بملائكية تحمل علاقات لا تلبي لنا احتياجاتنا. ما قيمة أن يكون لي صديق إن لم يكن أول من أهرع إليه في ضجري، وما جدوى أن أهرع إليه إن لم يكن مجيبًا ملبيًا، بل كيف لا أجد بابه مشرعًا لي دون طرق. من حقي أن أختار وأنتقي من العلاقات ما يلبي لي حاجاتي.
  

نحن لم نأت للعالم لنصنع منه مؤنسًا ولا لنبحث فيه عما يبدد وحشتنا؛ قد جئنا لهذا العالم لنتعرف على ذواتنا، لنختار مصائرنا بأنفسنا

أولى بوابات الاكتفاء الذاتي والسلام النفسي التي علينا عبورها هي أن نستغن عمن استغنى عنا؛ ولنجعل هذا الاستغناء فرصة أخيرة لإثبات أحقية هذه العلاقة بالاستمرار؛ إذ إنه من غير المعقول أن نستمر في علاقات بقائنا فيها يشبه غيابنا. كانت لي صديقة أحافظ على وصلها دومًا رغم بُعد المسافات بيننا، ورغم انقطاع أخبارها عني ورغم أن تواصلي معها كان من طرفي فقط، هي لم تبادر أبدًا بوصلي، وإن فعلت يكون بمعدل مرة كل عام وأظن تواصلها هذا كان ثقيلًا عليها؛ فلم تكن تهتم كثيرًا بالسؤال عني بقدر ما هو نوع من إثبات أنها لم تنزع يدها قبل يدي، مرت الأيام وبدأت أشعر بثقل هذه العلاقة فانقطعت عن التواصل وبالطبع لم تعيد هي شيء إلى سابق عهده؛ هنا أدركت أنني كنت على علاقة بذاتي؛ فلم يكن هناك أي نوع من التواصل المتبادل، هذه العلاقة انتهت منذ زمن لكنني كنت مصرة على إحيائها، ولا يحيّ العظام وهي رميم إلا الله. في هذا الموقف أبدو وكأنني الطرف المُبادر بالترك؛ لكن في حقيقة الأمر أن تركي جاء مُتأخرًا جدًا.

 
يقول المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
ألا تُفارقهم فالراحلون هُمُ
   
تظل عقدة أننا وحيدون تلازمنا مدى الحياة؛ فقد ولدنا وحدنا وسنموت وحدنا، وبين الولادة والموت نريد أن نثبت لأنفسنا طوال الوقت أننا لسنا كذلك. ربما نتذكر في دواخلنا وحشة الرحم وظلامه الدامس، وترعبنا وحشة القبر كثيرًا؛ فنريد أن نفر من هذه الظلمات إلى نور العالم ونجعله أكثر أُلفة وأنسًا.
  
في حقيقة الأمر نحن لم نأت للعالم لنصنع منه مؤنسًا ولا لنبحث فيه عما يبدد وحشتنا؛ قد جئنا لهذا العالم لنتعرف على ذواتنا، لنختار مصائرنا بأنفسنا، وما أن نحلل شفرة أنفسنا ونتوغل بدواخلنا بحثًا عن معدنا؛ سنجد تلقائيًا أشباهنا تنجذب إلينا، دون الحاجة لإنفاق الكثير من الوقت والجهد في البحث. من وجد ذاته فقد وجد العالم بأسره، ومن أنس بنفسه صار العالم جنته الصغرى، ومن اكتفى مُنح الزيادة.. هذا هو الدواء لمن أرهقته العلاقات.
  
متى نهُم بالرحيل؟ حينما نجد ثقبًا في ذواتنا لم يملئه الصخب من حولنا، عندما نحس بثقل في المنح والعطاء، وعندما يفقد الوداد معناه، ويفقد الوصل لمعة بريقه.. ها هنا نرحل بلا ذرة ندم أو أي بادرة ألم.