حلم الأمس صار كابوسا

مدونات - حزب الحرية والعدالة المغرب

كانوا يجتمعون كل أسبوع تقريبا يتدارسون القرآن، ويذكرون بعضهم بتقوى الله في أجواء إيمانية قل نظيرها. يكلف أحدهم بالتحضير للقاء المقبل وعلى طعام بسيط وكأس شاي يفترقون. عندما كانت اللقاءات تعقد في بيتنا كان أبي يترك الباب مفتوحا وكلما طرق الباب أحدهم يقول بصوت قوي، زيد أ الشيخ، تفضل أ الأخ، فيبدأ تقاطر الشيوخ والإخوة إلى أن يكتمل العدد الكافي لبداية النقاش. نقاشاتهم كانت تدار بلين ورفق خشية جرح مشاعر أحدهم. لا تسمع لهم صخبا ولا كلاما غليظا كانت تثير تلك المثالية الرعب في نفسي، أحس أمامهم بالدونية واحتقار الذات وكم كنت أتوق إلى رؤية وجوههم المخفية، وقد تأتى لي ذلك بعد سنين انتظار.

 

ككل الجماعات الإسلامية في العالم العربي عانت الجماعة الإسلامية المغربية من اضطهاد السلطة ومن تقزيم دورها، إلا أن ذلك لم يدم طويلا فبعد أن تم التوافق على عدم جدوى العمل السري حاولوا سنين عديدة من أجل دخول عالم السياسة والانتخابات وتدبير الشأن العام توجت الجهود في النهاية بتأسيس حزب العدالة والتنمية.

 

بدأ حزبا صغيرا ينافس على مناطق قليلة فلم يضفر في البداية إلا بالقليل لكن سرعان ما برع القادة البيجيديون باللعبة، وبدأ الحزب يكبر شيئا فشيئا وكما هو معلوم فحكم الحزب الوحيد ممنوع، وتسعى الدولة دائما لخلق توازنات توقف جموح الأحزاب الوطنية داخل الساحة، تحقيقا لذلك جاءت أحداث 16 ماي الإرهابية، تعرض بذلك الحزب لأول انتكاسة لكنه خرج منها سليما معافى، فعلا نجمه بين عامة الناس لعدم وجود منافس حقيقي يجابهه تنظيميا وسياسيا. لكن الدولة عازمة على منع تحول الحزب لعملاق سياسي يسلب الملكية رمز إمارة المؤمنين باعتبار مرجعيته، ويسلبها القدرة على التأثير في الناس باعتبار أنه سيصبح قادرا على التغيير. لتأتي بذلك الطبخة الموالية التي كانت تعد على نار هادئة داخل دهاليز الدولة.

 

بعد تربع الحزب على عرش الانتخابات للمرة الثانية عين أمينه العام رئيسا للحكومة للمرة الثانية لكنه لا يملك أغلبية مريحة، فاستمرت المشاورات العقيمة عدة أشهر جاء بعدها إعفاء الزعيم من طرف الملك

حزب أعيان أسس على مبادئ العلمانية جاء ليحارب الإسلاميين على حد قول كبيرهم، مع إنشائه شهد موجات هجرة جماعية من الأحزاب الأخرى. نافس وفاز بل اكتسح الانتخابات في ظرف سنة منذ تأسيسه فقضى على حلم البيجيديين المنشود التغيير من الداخل. ارتباطا بمتغيرات المحيط المغاربي شهدت المدن المغربية واحدة من أقوى الانتفاضات الشعبية قادتها حركة 20 فبراير وعبرت من خلالها عن رغبتها في مغرب العدل والحرية والكرامة ودحر رموز الفساد. ارتعدت فرائص الحزب المشبوه وفر قياديوه من المغرب. جاء موقف العدالة والتنمية ثابتا، نريد إصلاحا في ظل الاستقرار. الملكية ضامن أساسي لاستمرار الوطن، لن ندخل الاحتجاجات. بمبادرة من الملك جاءت تعديلات دستورية تلتها انتخابات مبكرة فاز فيها حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى فترأس أمينه العام الحكومة بأغلبية مريحة في تحالف مع أحزاب أخرى.

 

مرت ولايته الحكومية بإنقاذ بعض الصناديق من الإفلاس وبعض الالتفاتات الاجتماعية ولمسات أخرى في شتى المجالات لكن في المقابل مس القدرة الشرائية للمواطن وطبق سياسات غير اجتماعية لكنها لم تؤثر على رصيد الحزب من المقاعد في الانتخابات الموالية ورد البعض ذلك إلى القدرة التواصلية الرهيبة التي يمتلكها الأمين العام التي بفضلها صار زعيما تصفق له القواعد وتهلل وتختلف معه القوى التنظيمية ومن هنا بدأت الأزمة.

بعد تربع الحزب على عرش الانتخابات للمرة الثانية عين أمينه العام رئيسا للحكومة للمرة الثانية لكنه لا يملك أغلبية مريحة، فاستمرت المشاورات العقيمة عدة أشهر جاء بعدها إعفاء الزعيم من طرف الملك وتعيين رئيس المجلس الوطني رئيسا للحكومة جمع أغلبية برلمانية بسرعة كبيرة وشكل الحكومة. فهم أبناء العدالة والتنمية أن الزعيم صار غير مرغوب فيه وأن ما تعرض له هو محاولة لتقزيمه وإظهاره صغيرا في أعين الناس، ورأوا أن تغيير قوانين الحزب من أجل إبقائه على رأس الحزب ضرورة ملحة لمواصلة الكفاح وإيقاف نزيف التنازلات، فظهر تيار مؤيد للتمديد، وأخر معارض يرى أن احترام المؤسسات واجب والتمسك بها أولى من التمسك بالقيادات وهنا بدأ الانقسام.
   undefined

 

جولات نقاش حارقة بلغت حد كيل الاتهامات بالخنوع والتبعية وإرادة تحويل الحزب إلى حزب إداري تابع للدولة لا استقلالية له. أداة لتفريخ أحزاب أخرى، والرغبة في التصادم مع المؤسسة الملكية. وجهات نظر قانونية وسياسية كلها تحاول الإجابة عن سؤال، هل نمدد للزعيم؟ كل ذلك في انتظار عقد دورة استثنائية لبرلمان الحزب تحسم فيها الأمور.

استعرض الحزب قواه التنظيمية في محطة الحسم في التمديد فكان الحوار جادا مسئولا اختتم بالتصويت فجاءت النتيجة أن لا تمديد للزعيم. لكن ذلك كان بفارق بسيط مما يدل أن لا اتفاق بين الإخوان. بقي الحزب منكسرا ولا توجد إشارة على إعادة إحياء الثقة بين القيادة والقواعد، فثقة بعض الأعضاء الذين لم يستوعبوا ما حصل لا زالت مهزوزة، ناهيك عن المواطنين فأغلبهم يقول ما كنا نصوت إلا لبنكيران. في خضم كل هذه الأحداث يتم تضخيم مكانة حزب التجمع الوطني والأحرار ورئيسه الجديد، عن طريق الإعلام وعن طريق محطات تنظيمية غرضها تقوية الحزب انتخابيا وبذلك يتم طي حلم راود الإخوان وهم شباب لم يتجاوز أكبرهم الأربعين، حلم التغيير في ظل الاستقرار، حلم مغرب الغد.

 

وأنا مستلق على فراشي أرى إخوة الأمس منقسمين، أنستهم السياسة أنفسهم، أنستهم مبادئ الحوار والاختلاف أنستهم أيام الدراجات الهوائية، أنستهم أيام كان أثراهم وأكثرهم مالا يملك دراجة نارية. لا يسعنا اليوم إلا أن نقول أن تجربة العدالة والتنمية تبعت مثيلاتها وصارت خيبة أمل لشعب متعطش للحرية متعطش للتغيير يسعى بكل قوة لإزاحة الفاسدين الجاثمين على صدره.

 

وفي الختام أخاطب كل ذي لب في الحزب. اتقوا الله في شعب وضع ثقته فيكم اتقوا الله في ماضيكم، في أحلامكم. لا تزيدوا النار المشتعلة حطبا فحلم الأمس صار كابوسا.