أيُّها الشُّهداءُ أنصِتوا

blogs قرآن الدولة الإسلامية، الصحوة

"فمنهم من قضى نحبه"
"شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته"، بهذا الكلمات وقُبيل إعدامه الجائر، وصف الشهيد سيّد قطب كلمة "شهيد"، ثم تجسّدت به تلك الكلمة وارتقت روحُه الطاهرة إلى بارئها -ولا نزكّيه على الله-، ولا زالت كلماته تلك تتردد كثيراً في أذهاننا.

 

ثلّة من الشهداء وارت أجسادهم الثرى، لكنّ باعثَهم الذي انطلقوا منه وثوابتهم التي كلّفتهم أرواحهم ستبقى حيّة، يتوارثها شهيدٌ عن شهيد. اصطفاهم الله عن غيرهم من الناس، هم أصفياء أنقياء، في الليل رُهبانٌ وفي النهار فرسانٌ، ليلهم ابتهال بكّاء، ونهارهم إقدام وصَولات، أخْفَتْ نجواهُم سرائرَ عظيمة، أطبقوا أفواههم عن كثرة الحديث، لا يجاهرون فيما يَكِدّون، بل جعلوها خبايا وخفايا بينهم وبين الله، لا يرجون من ذلك سوى الإخلاص في المأْثَرَة والوفاء في الإتّباع.
   

"ومنهم من ينتظر"

كم من شهيدٍ حيٍّ يجولُ في ثنايا أفئدة الناس، تتطأطأ كلماتنا خجلاً إن وصفناهم، كالنجم البادي وسط قطعِ الليل المظلم، كالزمهرير في حرّ الفتن القائظ، كالأُسدِ إن قالوا وإن فعلوا. الإسلام عزّهم، قرآنهم منارتهم، سبيل الحق طريقهم، الأخلاقُ بريقُهم، والحكمةُ سِمتُهم، ورضا ربّهم غايتهم، لا يضرّهم من خالفهم، وكفى بالله شهيداً لهم يوم القيامة بحُسنِ نواياهم وصلاحهم!

 

ليس المهم أن تحفظ القرآن، فأن يرى النّاسُ فيكَ خُلُقَ القرآن ذاك هو الأهم، فالحفظ ما كانَ مقياساً لدرجة الصلاح والفلاح إن لم يكن مقترناً بالعمل والاجتهاد

من سأل الله -عز وجل- طريق الشهداء بصدقٍ دلّه الله عليه، فتكون شهيداً إن أرخصتَ روحكَ في سبيله، ونهلتَ من العلمِ ما يعينك في السيّر على دربهم، فكم من شهيدٍ باغتته مِيتة البعير، لكنّ باكورة شهادتهم أن حَيِيَ أولئك لأجلها، وغادروا الدَّنِيّة وهم على سبيلها (أي الشهادة) إن لم يُكتب لهم الموت في سبيلها! قال رسول الله -صَلَّى الله عليه وسلم- :"من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغَهُ الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".

 
وأن تكون شهيداً حياً يستلزمه أن تحمل رسائل الخير والهداية للناس، ولا يقوى على حمل هذا الأمانة إلا من جعل من الدين صورةً حيّة في أخلاقه ونفسه وحياته، فيشهد الناس بكمال الدين وعظمته إن رأوا تجلّي مزيّة الدين في رِفعة هذا الرجل، وتبرعم عظمة الفكرة إن طابقَ ظاهرهُ سريرَتَهُ، وكان من الذين يقولون ما يفعلون. وفي سياق حديثي هنا، أضرب الفارس أحمد شقير -رحمه الله- مثلاً من أولئك الشباب الشهداء الأحياء المعاصرين، فقد قرأت في السابق تدوينة نُشرت عنه كانت بعنوان "روحٌ تأبى أن ترحل" وقد صدق كاتبها! فما نفتؤ نذكر الإخلاص والشهادة إلا وقد تجسّدت صورة الفارس في مخيلتنا، ومن أقواله -رحمه الله- :" الله أكبر!! الله ودعوتُه أكبر مننا كلنا! وكلنا لها فداء".

 

أختم بذكر أجلّ وأعظم خصلة من الخصال الطيّبة الغفيرة التي يحملها أولئك، ألا وهي تجلّي خُلُق القرآن في تكوينهم، وبزوغه في حِلمهم، وإنبلاجه في صدقهم وتكشّفه عند آلامهم وبيانه في عفّتهم وحيائهم، فمنهم من مَنّ الله عليه بحفظ كتابه -عزوجل-، ومنهم من كان القرآن خيرَ صحبِهم وأنيسَ دربهم إن لم يكونوا من حُفّاظه. ليس المهم أن تحفظ القرآن، فأن يرى النّاسُ فيكَ خُلُقَ القرآن ذاك هو الأهم، فالحفظ ما كانَ مقياساً لدرجة الصلاح والفلاح إن لم يكن مقترناً بالعمل والاجتهاد، فهذا عمر بن الخطاب مكثَ اثنتي عشرة سنةً في حفظ سورة البقرة فقط! وعندما أتمّها -رضي الله عنه- نحر عجلاً جزوراً، وما استغرقت منه هذه المدة إلا لسعيه في تعلّم وفهمِ كُلّ كلمةٍ وردت والعمل بها، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورُزقوا العمل بالقرآن".

 

وعلى الضفة المقابلة، تنبّأ عبد الله بن مسعود بحالنا فقال -رضي الله عنه-: "إنّا صعبَ علينا حفظُ ألفاظِ القرآنِ، وسَهُلَ علينا العمل به، وإنّ مَن بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به." وما أوليت -في حديثي هنا- هذا الاهتمام لقضيّة التخلّق بفضائل القرآن إلا لكون كتاب الله مُنطَلَق كلّ شهيدٍ حيّ، فهو أصدق العشير، وأنفعُ أنيس، وهو الدواء في زمنٍ تفشّت فيه عِلل الأرواح وأسقام القلوب، وفي حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا حسد إلا في اثنتين" وذكر منهم "رَجلٌ آتَاهُ اللهُ الْقرآنَ فهوَ يَقومُ بهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ".

"اللهم توفّنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غيرَ خزايا ولا مفتونين" صدق رسول الله.