محمد صلاح.. الحالة التي لا تتكرر مرتَيْن

blogs محمد صلاح
كانتْ سماء تموز من العام 2007 قد هاجمتْ بلادنا بموجةٍ صيفيةٍ معتادة بينما أقطع الطريق إلى القاهرة، تحديدًا إلى الجبل الأخضر، حيث أحاول اقتحام الوسط الرياضيّ كلاعبٍ لكرة القدم من بوابة اختبارات الناشئين بنادي المقاولون العرب. بالنسبة لطفلٍ صغيرٍ مثلي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره كان الأمر اغترابًا لبُعد المسافة التي تفصل مقر إقامتي في الريف عن زحام القاهرة، وبالنسبة لأبي كان الأمر تافهًا جدًا للدرجة التي جعلته يرفض الأمر دون نقاشٍ مُوجّهًا إيّايَ إلى التركيز في مرحلة التعليم التي بدأتُها، وحين علِمَ أنّني سافرتُ سرًا إلى حُلُمٍ رسمتُه في ملعب المدرسة الترابيّ وفي سراديب كرّاسات الرسم.. كان توصيف الحالة لديه يفوق العقوق بمراحل. "لك أن تستنتج نتائج هذه المعطيات.. فشلٌ ذريعٌ في اجتياز الاختبار وعودةٌ إلى الديار مُحمَّلَةٌ بالحزن العميق". 
   
بعد مرور إحدى عشرة سنة من السنوات العجاف على ذلكم الحدث الصغير، كان هو، بهيّ الطّلّة، حسَنَ السيرة، عذب الحديث، ماهرًا في ترجمة الكلمات إلى نجاحات، يغزو بلاد الإنجليز مُعلِنًا من أعرق مدرسةٍ لكرة القدم فيها استمرارية الحلم الذي وأدتْه الظروف وتقلبات الزمان في دواخل أجيال كاملة. محمد صلاح، أو كما يلقبونه في الأنفيلد معقل (ليفربول) الملكَ المصريّ بات حالةً لابد من الوقوف عندها كثيرًا وتأمل ما جاء فيها وما آلتْ إليه نتائجها حتى هذه اللحظة. 
  
لأنّنا أمةٌ تاهتْ في دروب البحث عن النجاح قبل أن يداهمها الفشل سطعَ نجم صلاح لامعًا في سماء المجد، وهذا بالطبع ليس عيبًا في ثقافتنا أو في صلاح.. لكنه وصمة عارٍ على كلّ من حارب ناجحًا حتى جعله يؤمن بالفشل
لستُ ناقدًا رياضيًا لأزعمَ عن جهلٍ درايتي بتحليل ما يقدمه صلاح كرويًا على أرض الملعب، لكنني إنسانٌ أزعم مناصرة الأحلام الموءودة والأماني التي جارَ عليها الدهر قبل أن تبوح بكل تفاصيلها. قد يرى البعض أن ما يقدمه صلاح من إنجازات قد تحقّقَ في مجالاتٍ أخرى موازيةٍ للرياضة، وأنّ اتّساع شهرته لمجرد وصول مصر إلى كأس العالم بعد غياب دام ثمانية وعشرين عامًا أمرًا مبالغًا فيه، وقد يرى آخرون أننا مجتمعٌ مفلسٌ نهيمُ حبًا بكل ما يُوصَف في دفاترهم بـ اللا شئ.. باعتبار أن الرياضة مجرد مخدر نتعاطاه لنتغافل عن واقعنا المُرّ.
 
لكنني وبرغم اتفاقي مع هذه النظريات في بعض أطوارها إلا إنني أعتبر صلاح حالةً فريدةً من نوعها، ليس لأنه هداف أقوى دوريات كرة القدم في العالم، وليس لأنه ينافس كبار القوم في الشأن الكرويّ مثل رونالدو وميسي على أعلى المراتب العالمية، وليس لأنه صنع اسمًا لا يُستهان به في سماء أوروبا التي تعُجّ بالنجوم، لكن وببساطةٍ لأن صلاح منّا ونحن منه، نحن نحب ما يقدمه صلاح لأنه يعبر عنّا بالكليّة، ليس ثمة ما يتعلق بالرياضة فقط.. لكن في دروب الحياة عمومًا، محمد هو الحلم المقتول منذ زمنٍ بعيدٍ في دواخلنا لم يُكتَب له النور إلا الآن.
  

الطبيب الذي قتلته أوطان الظلام وذهبت بأبحاثه أدراج الرياح يرى فيما يقدمه صلاح نجاحه الخاص، والمهندس الذي سقطت تصميمات نجاحه في غياهب النسيان وعدم التقدير يرى في صلاح حلمه الذي بات من الممكن تحقيقه، وكذا الحقوقيّ والمحاسب وأصحاب المهن عمومًا على سبيل المثال لا الحصر.

  
ما يحدث مع صلاح هو توصيفٌ دقيقٌ لحالة الشباب العربي والمصري بشكلٍ خاص، كل الفارق بيننا وبينه أننا ربما وجدنا حائطًا صلدًا أمام تطلعاتنا فبلغ منّا اليأس مبلغه، وربما أيضًا هو أكثر مرونةً منّا في إيجاد الحلول، بعد أن كان حبيس مقاعد البدلاء لعامٍ كاملٍ في صفوف تشيلسي وسلكَ الطريق نحو المجد من بوابة إيطالية صغيرة.. لكنها منحتْه شعاع النور فيما بعد. في مقاهي القاهرة لكَ أن تلاحظ الشغف الذي يملأ قلوبهم، هؤلاء الذين نالتْ منهم حقارة الدنيا وبطش الأيام فصاروا يستنشقون عبير الفرحة على بُعد أميال، حتى ولو كان الأمر متعلقًا بمجرد مباراةٍ في كرة القدم، ستجدهم يصرخون ويهللون ويزغردون.. وأحيانًا يرقصون؛ لأنّ حلمًا طائشًا مثل أحلامهم المكبوتة لامس الضياء أخيرًا، وإنْ كان الذي يربطهم بصاحبه فقط وطنٌ مشترك مسروقٌ منذ قديم الأزل. 
 
لازلتُ أتذكر هذا السبعينيّ الذي يتوكّأ على عصاه حين انفرجت أساريره عن ضحكة مكلومة جاهدت كثيرًا حتى تخرج لأن صلاح سجل هدفًا في مرمى ويست هام يونايتد، ولا زلتُ أذكر خالتي التي لا تعرف في أمور الكرة سوى أنها دائرية فحسب وهي تسأل عن ميعاد مباراة صلاح؛ لأنه مثالٌ عظيمٌ للنجاح على حد قولها، أيضًا لا زلتُ أذكر جموع الشباب الذين تفاعلوا بحرارةٍ صادقةٍ حين سجّل أبو مكة هدف فريقه الأول في مرمى مانشستر سيتي، ولن أنسى قلقهم ومخاوفهم التي زيّنت وجوههم بعد أن ملأتْ قلوبهم حين خرج نجمهم اللامع مصابًا في نفس المباراة.
 undefined
 
لا تعجبْ إذا رأيتَ المصريين يحتفون بصلاح كما لم يحتفوا بزويل أو فاروق الباز وغيرهم، فالآخرون ربما سرقتْهم منّا ثقافاتٌ مختلفة وجنسيات مزدوجة رأوا فيها معادلة لعروبتهم الكريمة، وربما أيضًا لأنّ صلاح وما يقدمه يصل إلى أعمق أعماق قلوبهم ببساطةٍ من غير تكلفٍ.. وبطابعٍ دينيٍ لا ينكره.. وسمتٍ إيمانيٍ يزيّنه.. وسجدةٍ لا يخجل من تأديتها أمام العالم في أوج احتفالاته بما يحقّق من انتصارات.
 
صلاح هو القطعة التي غابتْ عنّا ووجدناها بعد أن أنهكنا طول المسير ووُعثاء الرحلة، نموذجٌ ناجحٌ كان من الممكن اعتباره عاديًا إذا كانت لدينا نجاحاتٌ أخرى موازيةٌ في كل المجالات، لكن ولأنّنا أمةٌ تاهتْ في دروب البحث عن النجاح قبل أن يداهمها الفشل سطعَ نجم صلاح لامعًا في سماء المجد لكل من يتابعه، وهذا بالطبع ليس عيبًا في ثقافتنا وأذواقنا أو في صلاح.. لكنه وصمة عارٍ على كلّ من حارب ناجحًا حتى جعله يؤمن بالفشل.
  
كحالمٍ قديمٍ في خوض غمار الاحتراف الكرويّ ثم يئس أن تُترجَمَ تصويباته إلى أهداف في شباك الخصم، أقبلتُ على تشجيع مانشستر يونايتد العدو الأول لليفربول، أحبّه، وأنتمي إليه، بل ويقودني التعصب الأعمى أحيانًا إلى مساندةٍ متطرفةٍ له، لكنني لا أنكر أن نجاح صلاح في مملكة أنفيلد يثير بداخلي مشاعر مختلفة، فرحةً بما يُحقّق من إنجازاتٍ.. وشجنًا على كل الأماني المقتولة لدى أجيالٍ ظلمها الدهر حتى صار النجاح لدينا ماثلًا في قصةٍ واحدةٍ فقط اسمها محمد صلاح.
  
في الثامن من (أكتوبر/ تشرين الأول) من العام المُنصرم تأهل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم بأقدام أبي مكّة، كانت الفرحة قد ملأتْ شتى بقاع مصر والوطن العربي، لكنني لم أتوقع أبدًا أن تغزو الفرحة قلبَ الرجل السبعينيّ الذي يملأ بيتنا بركةً، أبي الذي كره الكرة طيلة حياته، لمّا دخلتُ عليه هنّأني في حرارةٍ ثم قال : لقد أحرز هذا الجيل انتصارًا للتاريخ، ليس كرويًا فقط.. ولكن اجتماعيًا ونفسيًا ومعنويًا لكل هذا الشعب الذي يئس أن تزوره الفرحة ولو في صورة إنجازٍ من هذا النوع، قاوم دموعه التي أوشكتْ على الانفجار ثم ربّت على كتفيّ بحنانٍ أعرفه جيدًا قائلًا في شجن بالغ : سِرْ يا ولدي في طريق أحلامكَ دون يأسٍ.. فلعلّ سهمكَ الذي أخطأ الإصابة في رياض الكرة يصيبُ مرمى آخر وفي حقلٍ أهمّ؛ لتكتب اسمكَ في صفحات التاريخ نافعًا وطنكَ ودينكَ وعروبتكَ، ويكون لدينا ألف ألف مثل صلاح .