صفعة العهد

BLOGS عهد التميمي

في زمن عز فيه الشرف والكرامة، واستمرأ أغلب الناس الذل والمهانة، وأعطبت بوصلة القيم والمبادئ فاختلطت عظام الأمور بصغائرها، تاركتا جسد الأمة يتخبط "مسطولا"، ضائعا بين أمجاد الماضي ونكسات الحاضر، مغلوبا على أمره لا يقوى الدفع عن نفسه كيد الأعداء، فضلا عن جحود الأهل والأبناء .و في خضام هذه الأوضاع المؤسفة والمحبطة، يأتي الفرج والمتنفس على أيدي من كنا نضن بالأمس القريب، أن لا حول لهم ولا قوة، من كنا نستجدي لهم الدعم والمعونة ونأسف لحالم، ونتباكى في خشوع دعاء لهم ونحن والله الأجدر بالنعي والبكاء.

 

هناك في قرية النبي صالح التي تبعد 20 كلم إلى الشمال الغربي عن رام الله، وترتفع عن سطح البحر ب 570 م، وبالضبط قبل 17 سنة، ازدان فراش نارمان التميمي وباسم التميمي بطفلة اختاروا لها من الأسماء ما هم عليه جميعا ألا وهو العهد. عهد الشقراء المشبع لونها بلون حقول القمح بسهول فلسطين الأبية، واكتسبت حدقتاها خضرة الزيتون المغروس على جبالها الشامخة، فاستشعرت مند نعومة أظافرها انتمائها الجيني إلى هده الأرض الطيبة، واستماتت في الدفاع عنها بدافع فطري طفولي لا تملك له تفسيرا غير أننا نعلم يقينا أن النور الذي انطفئ فينا، وأورتنا التيه والذل والمهانة، توقد ساطعا بين أطفال القبضة والحجارة.

 

دول شنت ثورات عكسية، ثارة بالتدخل العسكري المباشر، وثارتا بالشيطنة لرموز الثورة والتغيير، بقيادة دولة الإمارات المتحدة وصمت مدفوع الأجر للديمقراطيات الكبرى، ليضيق الخناق على كل صوت تغيير

تصدرت بنت السبعة عشر ربيعا وسائل الإعلام مذ كانت في الحادية عشر من عمرها، حين لقنت العالم درسا في فن المقاومة والإيباء، في مشهد لم ولن يقوى تخيله أعظم كتاب البطولات والملحمات الفردية، وهي تشهر قبضتها في وجه جندي الكيان الغاصب، مهددتا إياه بالإفصاح عن مكان احتجاز أخيها، قبل أن تهوي عليه بقبضتها القاضية الصغيرة، إلا أن قوة أناملها تكمن في إيمانها بعدالة قضيتها وموقفها، وهنا يختفي منطق الحجم والغلبة، فمطرقة القاضي صغيرة، لكنها الفيصل بين الحق والباطل، كذلك قبضة عهد، شاركت عهد منذ عمر الرابعة مع والديها في العديد من المسيرات والمظاهرات رفضاً للسياسات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية ضد منطقتها، وذكرت أنها كانت تؤمن بما تفعل تماماً، وترى أنّ الخروج في المسيرات المناهضة للسياسات الإسرائيلية حافز للناس للاستمرار في النضال"، ومن ضمن ذلك كانت لا تتخلى عن المشاركة في المسيرة الأسبوعية كل يوم جمعة في قرية النبي صالح، رافعةَ شعار "اخرجوا من أرضنا فهذه الأرض ليست لكم"، وكانت تتمنى دائماً أن تدرس القانون لتصبح محامية لتدافع عن وطنها وأهلها وشعبها.

 

وتتعاقب الأيام على عهد كأستاذ حريص على تلقين تلميذه النجيب كل قواعد الدرس ومفاتيح النجاح في الاختبار، لتتصدر المشهد الإعلامي من جديد عقب قرار الرئيس البرتقالي من البيت الأبيض، بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس كعاصمة للكيان الصهيوني الغاصب، في ما يسمى إعلاميا بصفقة القرن، والتي لم يكن ليجرؤ على الخوض فيها، لولا الوضع المزري الذي تعيشه المنطقة العربية والشرق الأوسط تحديدا، في ضل حكام فسدة وانقلابين كل همهم الحفاظ على كراسييهم الوتيرة، حتى ولو ضحوا في سبيل ذلك بأقدس المقدسات وأسمى الحقوق، بعد أن شنت أبواقهم الإعلامية هجمات شعواء جورا على ذاكرة التاريخ وأمل المستقبل، وأصبحت مرتعا للمتصهينين العرب، فهذا يقول بيهودية القدس، وذاك ينفي وجودها تماما، وأخر يعتبر دولة الكيان حليفا وصديقا استراتيجيا وأن حماس هي التهديد الأمني الصريح على بلاده وينبغي التعامل معها بحزم، ولو أذى ذلك لدك قطاع غزة كاملا، فلا صوت اليوم يعلو فوق صوت القوة والأمر الواقع.

 

قرار كان له ما بعده من انتفاضات واحتجاجات في مختلف ربوع العالم العربي والإسلامي، تنديدا وشجبا لهذا القرار المشؤوم، لم يكن الداخل الفلسطيني استثناء من ذلك، بل كان له السبق وكأني بأطفال الألفية الثالتة، يقضون مضجع كولدا مائيير، ويؤكدون لها أنها كانت مخطئة حين راهنت على نسيان الأطفال لقضيتهم المحورية، وها هي عهد من جديد تشهر كفها في وجه جنديين كانا يختبئان في فناء منزلها الخلفي، فمارست حقها المكفول من طرف كل المواثيق والقوانين الدولية، وقامت بطردهم موجهتا صفعات ارتد صداها، في خاطر كل ذي فكر حر وقلب مؤمن، صفعات أيقظت شعور العزة والكرامة، وانتشلت بواقي هذه الأمة من براثن الخوف.

  undefined

  

ولم تمر ليلة العشرين من ديسمبر بسلام، حيث تم اقتياد عهد فجرا إلى السجن بتهمة إهانة جنديين، لتكون مرآة الاحتلال الغاصب التي يبدي فيها وجهه القبيح، ووجه المتصهينين معه من العرب وغيرهم المنادين بعدالة وديموقراطية الدولة الإسرائيلية، واستماتوا دفاعا عن حق تطبيع العلاقات مع دول الجوار، وأن إسرائيل ليست عدو العرب الأول بل إيران والمد الشيعي.

 

ولم يألوا جهدا في سبيل نشر هذه الأباطيل والأكاذيب عبر وسائل الإعلام الحكومية، والخاصة المملوكة لمحابي السلطة، ومواجهة الإعلام النزيه والحيادي صاحب القضية والمبدأ، ناهيك عن الاستغلال البشع للدين والنصوص الدينية، لتقزيم وتحقير مكانة القضية الفلسطينية في الوجدان العربي والإسلامي، والاستعاضة عن ذلك بمظاهر التفتح والاعتدال المزعوم الذي يسمح بتدشين دور السينما، والملاهي والسهرات الغنائية، التي كانت بالأمس القريب إثما وعدوانا ينذر بغضب من الله وعذاب أليم، أصبحت اليوم ضرورية للانتقال الحضاري والقطع مع الموروث الوهابي الإرهابي بما فيه حق المقاومة والإيباء.

 
دول شنت ثورات عكسية، ثارة بالتدخل العسكري المباشر، وثارتا بالشيطنة لرموز الثورة والتغيير، بقيادة دولة الإمارات المتحدة وصمت مدفوع الأجر للديمقراطيات الكبرى، ليضيق الخناق على كل صوت تغيير قد يصدح من هنا أو هناك، ولولا عهد ورفاقها لما تمكنا من ضبط بوصلة القيم والانتماء من جديد.