نوافذ مضيئة.. حكايات مظلمة

مدونات - بيوت ومنازل ونوافذ مضيئة

تعلق نظري بتلك البناية الضخمة -كان هناك ما يربو من ثلاثين نافذة مضيئة- افتقدت خيط حديثي مع صديقتي فسألتني عن سبب شرودي لأجيبها أن ذلك أحد أكثر المشاهد المُلهمِة لي، كل نافذة ورائها قصة مكتملة لحظات حب وجفا وصدق وكذبات صغيرة وكبيرة كل مجموعة حوائط تحتضن ذكريات وآلام ولحظات لا تنسى، حتى سكان البناية ذاتها لا يكاد أحدهم يعرف عن جاره سوى نتفات بل حتى سكان البيت الواحد إن لم يقتسموا الحكاية ذاتها فلا يدرون من أمر صاحبها شيء.

 

تسير كل حكايات البناية في ذات اللحظة التي يتصادف مروري أمامها، لا أعرف عن سكانها شيء ولا يدرون أني أفكر في حكاياتهم، ربما صادفت أحدهم في طريق أو استقللنا وسيلة المواصلات ذاتها، أو شاركني أحدهم إحدى اهتماماتي ربما قرأ لي أحدهم سطرًا وربما قرأت له ولكن بالأخير نظل عابرين، لا تحمل ذاكرتنا إلا مشهدًا وحيدًا صامتًا، دلالته حتى وإن عايناها لربما كانت حقيقته على خلاف دلالته.

 

كم حكاية نراها مُبهرة من الخارج وهي على خلاف ذلك وكم حكاية نشفق من فرط بؤسها رغم أنها تحمل مزحة خفية من الُحسن لا يراها سوى أبطالها، أورد ما عاينته من ظاهر وباطن لبعض الحكايات ليس غرضًا في كشف حجاب الستر عن أصحابها -معاذ الله- إنما توضيح لقصور نظرنا مهما ظننا عكس ذلك.

 

(1)

البيت المتوهج من الخارج خرب من الداخل ولا تفلح أي من محاولات إصلاحه، قرر الطرفان بتواطؤ خفي أن يستسلما للخراب المتزايد ولكنهما فطنا أن صورة البيت أهم من حقيقته..

زوجان لا يكادان يفترقان، يظنها الناظر أسرة فاضلة سعيدة فعلى رغم رقة حال الأسرة الظاهر إلا أن السعادة تطغى على أفرادها من الأبوين إلى صغارهم بشكل ينسيك ضيق الحال على الفور، لم أر الأم وزوجها خلال سنوات معرفتي إلا لاهثين يجاهدان ليحققا حاجات أسرتهما، يظهر كفاحهما جليًا على وجوه أطفالهما وما يحظون به من تعليم وتربية وترفيه لا يتناسب وحال الأسرة المادي.

 

تغالب الأم البكاء في أكثر من موقف وهي تحكي عن ظروف الحياة أو مشاجرة بينها وبين إحدى جاراتها أو تشكو حماتها، ولكن لمعة أعينها وهي تحكي عن صغارها وحلاوة حياتها معهم ومع أبيهم تغلب مرارة دموعها، إن سئلت عن هذه السيدة وأسرتها كنت لأجيب أن هذه الأسرة من النماذج التي هزمت فيهم السعادة والحب والفضيلة على شقاء العيش وكدره، وأن ربة الأسرة سيدة فاضلة لا يخالط فضيلتها ريب.

 

لم يجمعني والأسرة سوى بعض المشاهد الصغيرة التي شكلت قناعتي وجعلتني ألاحق الأسرة بدعوات بالبركة بين حين وحين، لم أعرف لم انكشف لي سر هذا البيت وهتك ستره من إحدى العارفات بحال الأسرة عن كثب، جمعني بتلك الراوية جلسة راحت تحكي ما سمعته من ربة هذه الأسرة عن موبقات ارتكبنها هي وزوجها بل لا تجد في هذه الكبائر شيئًا يستحق الخجل أو تقريع الضمير! وأن الأبوين الصالحين اللذين لا يبغيان من الدنيا برمتها سوى صلاح أبنائهم لا يعرفان عن الصلاح أو الفضيلة أو التقى شيء.

 

(2)

رجل تغرب عن أسرته زمانًا طويلًا ليحقق بعض الثروة التي تسند أبناءه وتقوي ظهرهم، عاد أخيرًا ليحيى برفقة زوجته التي اقتسمت معه سنوات الضنك لتقاسمه أخيرًا سنين الرخاء، زوجته سيدة طيبة بشكل لا يكاد يصدق وتحملها له ولبخله أيضًا لا يصدق ولكن أكثر الأمور عجبًا إخفاءها عيوبه ونكرانها والدفاع عنه وتطييب ذكره بين الخلق ورعاية الأطفال حتى صاروا بناتًا وشبانًا واشتد عودها بهم، لم يتخلى عنها حظها الأغبر حيث أصيبت بمرض مزمن.

   undefined

 

لم يفصل بين مرضها وزواج زوجها من أخرى سوى ستة أشهر، كان زواجه أمرًا مقبولًا للجميع لم ينل من صورته الحسنة التي هي بالأساس من صنيع زوجته، لكن ما لم يعرفه أحد ولا يُذكر حين ذكر الرجل أنه طرد زوجته المريضة وبناته الثلاث من البيت ولم يؤمن لهم سكنًا ولا مال، ألقاهما بالطرقات بغتة وطلق أمهما وانتهى كل شيء. باعت السيدة ميراثها بثمن بخس لكنه يكفيها ومن تعول لأشهر على الأقل، دبرت السيدة سكنًا متواضعًا وبدأت العمل بأشغال يدوية، ثم بدأت تعين أسرتها وجهزت كبرى بناتها وزوجتها وحين مرضت ابنتها بسرطان الدم لم يقبل أباها أن يصرف مليمًا في علاجها، وتدبرت تكاليف العلاج بتدبير مدبر عظيم لا يغفل عن عباده أبدًا، وظلت سيرة رب الأسرة حسنة لا يعلوها الغبار.

 

(3)

أعجز عن أن أحصي صورهما الباسمة سويًا ومنشورتهما التي يشير فيها أحدهما للآخر بعبارات حب ووله، الأماكن التي يذكران أنهما بها الآن معًا، كعصفورين ملونين لا يتوقفان عن التغريد، تغريد حول كل شيء عن مدى حبهما وانطلاقهما سويًا وتفاهمها، يؤكدان بشكل يثير الشك أنهما الأسعد على الإطلاق، أسعد خلق الله قاطبة. لا تكف شكوتها منه إلى المقربين ولا يتوقف عن التأفف منها لأصدقائه، البيت المتوهج من الخارج خرب من الداخل ولا تفلح أي من محاولات إصلاحه، قرر الطرفان بتواطؤ خفي أن يستسلما للخراب المتزايد ولكنهما فطنا أن صورة البيت أهم من حقيقته، وأنهما قد يحتملا فساد العلاقة بينهما في مقابل الحفاظ على صورة هذه العلاقة في أعين الغرباء، تلك النظرة المنبهرة يجب أن تدوم رغم كل شيء!

 

مع مرور الوقت اكتشفت خياناته المتكررة، لم تحدث جلبة بل ضاعفت منشوراتها التي تمتدح العلاقة وتوثق كل لحظاتهم المغلفة بالحب والجاذبية وادعاء الصدق، بدأت تساومه على خياناته وبدأ يتنازل ويطلق لها الحبل على الغارب شيئًا فشيئًا، أصبح للطرفين حياة سرية لا يعرفها شريكه ولكن الابتسامة البراقة في صورهما ظلت تتسع صورة بعد أخرى.