شعار قسم مدونات

الدعوة في موريتانيا ودورها في تعزيز الوعي الديني

مدونات - موريتانيا

بعد ما ظل الشأن الديني ردحا طويلا من الزمن محتكرا لدى جماعة من الناس تفسره كيف ما شاءت وتستغله كيف ما أرادت أبت عاديات الزمن إلا أن تقلب الأمر رأسا على عقب ليتجسد ذلك في ظهور جماعات الدعوة التي ما لبثت أن وضعت قواعد متينة وصارمة للدعوة لا تعرف إلى التمييز سبيلا، تنطلق من فلسفة تقوم على إشاعة العلم ونشر الوعي الديني بين طبقات العامة التي ظلت لفترة طويلة حبيسة التفسيرات الدينية المغلوطة التي تقوم في الغالب على الخرافات وتقديس ما لا ينبغي تقديسه، استنادا إلى عادات وتقاليد موروثة عن مجتمع لم يعرف إلى المدنية سبيلا، وتمشيا مع ما جاء به الشرع من الحث على نشر العلم وإشاعة الدعوة الذي جاءت الأحاديث مصرحة بوجوبه بلغو عني ولو آية.
 
أخذت جماعة من رجال موريتانيا الذين صدقو ما عهدوا الله عليه، على عاتقها مهمة نشر الدين وتبسيطه بشكل يتلاءم وقدرات العامة عرفوا حسب التصنيف المحلي بالأحباب أو الدعاة، وتجاوزا لتحليل المفهوم ومقاربته نسعى إلى رصد تلك الثورة العلمية والفكرية في مجال التجديد الديني التي أحدثها الدعاة، فنحن على يقين أنه لو لا الأسلوب الدعوي الذي ظهر في موريتانيا مؤخرا وخاصة مع بداية الثمانينات تحديدا، ما كنا لنرى منارات مساجد شامخة يرتفع منها صوت الأذان في قرى مهجورة لا يعلو فيها إلا صوت الماشية وما كنا لنرى شبابا في مقتبل العمر، من مختلف الشرائح هجروا اللهو والملذات منخرطين لا مؤجرين لنشر الدين ابتغاء مرضات الله تعالى وخاصة في مجتمع قبلي يؤمن بتراتبية اجتماعية استاتيكية قارة تترجم تمايزا اجتماعيا صارخا.

 

استطاع الدعاة في موريتانيا في فترة وجيزة وعلى طريقتهم الخاصة أن يحققوا نقلة نوعية في مجال التنوير والتجديد الديني على مستوى المنهج والأسلوب والمضامين

قد لا يكون الأمر غريبا في الوقت الحالي لكنه ليس مألوفا إذا ما استعدنا ذكريات الماضي التي لا زالت تحتفظ لنا بالتصنيف الاجتماعي التقليدي المعروف بالثلاثي الموريتاني: عرب- زويا -طبقات مهمشة، فلم يكن شغل العربي لينحصر في القرطاس والقلم بل تخلى عنه مبكرا لصالح السيف والبندقية كما لم يكن من حق العبيد وما جاورهم التشبث بالعلم ولا بالدين معتقدين في خرافات يلقنها لمهم أسيادهم مفادها أن العبد مختزل في سيده ولا شأن له بأمر العلم ولا بالدين بل عليه أن يظل تابعا لسيده لا هم له سوى الأعمال الشاقة من قبيل رعي الماشية والحراثة… إلخ، وكأني بالسيد يقول لعبده قدرك أن تظل مسحوقا لا مسؤولا، وظل الحال على هذا فترة طويلة من الزمن في موريتانيا أي أن الدين ظل نخبويا ولم يكن البتة مشاعا لأن الزوايا حماة الدين كما يصفهم البعض كانوا يعتقدون جازمين أن ثورة الطبقات المسحوقة -والتي إن تحققت ستعصف بسيطرة الزوايا- رهينة بوعيها بزيف ما كانوا يتلقونه ذات يوم من طرف الزوايا.

 

وإزاء هذا الوضع الظلامي الذي كان المجتمع الموريتاني يعيش في غياهبه استطاع الأحباب أو الدعاة أن ينحتوا لأنفسهم طريقة مغايرة لما سلف مبنية على قوانين صارمة هادفين من ورائها إلى تعزيز الوعي الديني لدى الإنسان كمسلم بغض النظر عن عرقه واستشعاره بالمسؤولية المنوطة به كإنسان والمتمثلة في عبادة الله بما شرع ساعين بذلك إلى تغيير العقليات وتقويض العادات الزائفة التي علقت بالدين فكان سعيهم مشكورا، إذ استطاعوا في فترة وجيزة وعلى طريقتهم الخاصة أن يحققوا نقلة نوعية في مجال التنوير والتجديد الديني على مستوى المنهج والأسلوب والمضامين، فقد استطاعوا أن ينزلوا بالدين من برجه العاجي الذي كان الزوايا يضعونه فيه ليكون أمرا متاحا على مسافة متساوية من الجميع.

 

ثانيا، أنهم جعلوا من الدين مهمة جماعية ليخلقوا بذلك فضاء جديدا تستطيع الأمة الاستفادة من إمكانيات شبابها فكان ذلك إيذانا بتحقيق تنوير ديني على المستوى الفردي والجماعي لموريتانيا وإن كان ذلك قد شكل ضربة قوية للمنظومة الثقافية التقليدية التي تترجم نخبوية العلم والدين والتي كان يصبوا البعض لاستمرارها ما جعل البعض يشن حملة شعواء ضد الدعوة والدعاة في موريتانيا إلى حد جعله يتصورهم رجالا فروا إلى الدين بعدما فشلوا في الحياة، إلا أن هذا الادعاء بالنسبة لنا لا يعدوا كونه وهما باطلا أريد من ورائه باطل كيف لا والله تبارك وتعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".