مدرسة الصعاليك!

schools
"بحنين جارف وإحساس استثنائيّ أتذكر دفاتري وكتبي الأولى ومحافظي وأساتذتي. أستحضر بحميمية خاصة تلك الصباحات التي كنت أغادر فيها منزلنا..، متأبطا حزمة من الأحلام ومتسلحا بجرعة وافية من الحماس والرغبة في الانتصار على مظاهر التهميش والعزلة والنسيان والإقصاء والحرمان"، كما يفعل الآخرون مثلي الذي يحملون هموم وأوجاع المقارنات البئيسة بين "مدارس الأمس واليوم". قد تراودني كلمة من كراسة الماضي أو صورة لمعلمي يصارع الزمن غاية في إنتصارنا معا أو دعوة من دعوات أمي بالنجاح أو نصيحة أبي بالصبر والعزيمة. تراودني كل هذه الأشياء الجميلة فأتذكر كيف راهن هؤلاء على المدرسة في صناعة المستقبل وكيف ناضلوا وحلموا بحال غير الحال ومآل غير المآل. أتذكر وأتحسر.

مرت الأيام في صمت وصخب، تغيرت المشاهد والصور والكلمات والدعوات والنصائح والأحلام ولم يعد هؤلاء يطلبون شيئا من المدرسة غير سلامة الروح والجسد. كيف لا؟ و"ما نعيشه اليوم شبيه بنار فتنة جماعية تلتهم ألسنتها الحارقة الجميع". لقد كشف توالي أحداث العنف والعنف المضاد داخل وخارج فضاءات المدارس المغربية عن تحولات عميقة في وجدان ووعي المغاربة بفكرة المدرسة ورمزيتها وحضورها في مجتمعهم؛ تحولات شاذة، مستفزة ومثيرة لقدر كبير من الإستغراب والتساؤل…

لا يهم هنا، سياقيا على الأقل، الوقوف على تفاصيل أو ملابسات واقعتي الاعتداء الفضيع على أستاذي ورززات والمحمدية كما لا يهم قراءة ردود الفعل العفوية تجاه الواقعتين. لقد صرخنا، آباء وأمهاتا، صبية وصبايا…، واستنكرنا وكتبنا تدوينات منددة وشاجبة ثم استيقضنا في صباح الغد وكأن شيئا لم يحصل… راحت أسئلتنا وهواجسنا وأشياؤنا الجميلة التي زينت كلماتنا بالأمس. راحت تستتر في مكان ما بدواخلنا حتى تحن كارثة أخرى أو مصيبة. قد تأتي في الغد القريب وقد تغيب للبعيد وسنحيا بين "الغدين" أو الزمنين بذاتين. واحدة تستنكر الفضائح والعبث والفوضى الذي تشهدها المدارس وأخرى تنسى وتواصل مشاوير الحياة دونا عن المبالاة بحجم الخطر المتربص بالذاتين. التفاصيل، هنا، والحيثيات هامشية. يكفي النظر في الكيفية التي تغيرت بها الانشغالات والأحلام أو، على الأقل، النظر بعمق فيما تحمله عنونة المقال من دلالات تاريخية ولغوية ومعرفية.

ويصبح الشأن التربوي مجالا للسخرية والتنكيت في الفضاء العام ففي ذلك إشارة إلى أن مدرستنا تسير إلى الهاوية بخطوات متسارعة

من المفروض أن يتمحور النقاش الأكاديمي في قضايا المدرسة حول مسألتي المردودية والإنتاجية ومستوى المواكبة للتحديات العلمية والمعرفية وسواها. أي، أن يناقش ما تحصل معرفيا وعلميا وتقنيا وقيميا وكيف تم، وسبل الدفع بنتائج ومحصلات أكثر طموحا وملاءمة. أما والنقاش يتركز حول العنف والعفن الأخلاقي وهذا "الكل السلبي" ويصبح الشأن التربوي مجالا للسخرية والتنكيت في الفضاء العام ففي ذلك إشارة إلى أن مدرستنا تسير إلى الهاوية بخطوات متسارعة وما علينا إلا انتظار لحظة الفاجعة. إن كان من ضرورة لترتيب المشاكل، نكتب أن مشكلة المدرسة المغربية الأولى تكمن أساسا في غياب إرادة سياسية حقيقية وجريئة. متى تحققت، انكشفت مواضع الخلل وبالتالي سبل المعالجة، وفي مستوى مواز، سبل التنظير والأجرأة، التخطيط والتدبير وغيرها من المعايير وفق ما يتناسب ومقاصد هذه الإرادة. في غيابها، يبقى الحديث في شأن إصلاح وتغيير واقع المدرسة المغربية مجرد دجل سياسي الغاية منه المناورة والخداع.

لقد فاقت مشاريع وخطابات إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب، للأسف،كل تصور ممكن وصارت ظاهرة مغربية بامتياز. مجالس ومناظرات ولجان ودراسات وتقارير وتوصيات لا تنتهي وتغييرات في المقررات والبيداغوجيات والمنهجيات والمسالك لا تقف عند تصور ثابت ومعقول أو تقدم تشخيصا دقيقا لها، بل تحولت إلى تمرين سيزيفي؛ بالكاد يبادر قدما حتى تعاوده الخيبات وهكذا دواليك. ثم أن الساهرين على القطاع التربوي يدبرون المشاكل وفق منطق ما هو راهني. أي، مرحلة بمرحلة، في حين أن قطاعا حيويا ومركزيا وسياديا كالتعليم يستلزم رؤية بعيدة المدى و إيمانا مطلقا بفكرة أن التعليم عموما ليس شأنا خاصا يخضع لإملاءات أو نزوات شخصية أو تحركه دوافع سياسية معينة أو خصوصيات مجتمعية ضيقة، سواء إثنية أو طبقية. التعليم شأن عام يتجاوز كل أنواع التضييقات، وأفق يتجاوز كل الآفاق وزمن مفتوح يتجاوز كل أشكال الزمن الآني أو الظرفي. المدرسة رؤية في الزمن البعيد وسيرورة تاريخية؛ بمعنى أنها "نتاج لمجموعة من التراكمات والتحولات التي عرفها الإنسان في صراعه مع الجهل والسلطة والظلم، والذي أنتج لاحقا فكرتي "عمومية العلم" أو "تعميم التعلم" كمدخل للمعرفة والتنوير وسبيل لقيم المساواة والتحرر والعدالة الإجتماعية وبالتالي النهضة والرقي…

ثم إن فشل المدرسة المغربية يأتي في سياق انهيار أخلاقي عام أفقد الثقة في رمزيتها ورمزية المعلم، تحديدا، وحضوره القيمي كما فعل بالسياسي والنقابي والجمعوي والمثقف والفقيه، إلخ. انهيار يبرره غياب نسق أخلاقي أصيل، مدنيا كان أو روحانيا، وتفشي مظاهر الاضطراب النفسي والروحي والثقافي والتربوي في الفضاءات العامة والإعلام وداخل الأسرة المغربية. لقد أصبحنا، كما يرى الأكاديمي المغربي والباحث في الشأن التربوي محمد الدريج، "نلاحظ انتشارا لمظاهر السلوك السلبي المنحرف والمرضي وخاصة سلوكيات العنف والعدوانية و التمرد… فأصبح العنف جزءا من سلوك عام داخل المؤسسة لدى التلاميذ ولدى أوليائهم، ولدى العاملين فيها." بالطبع، هذا "الكل السلبي" يجد مبررات وجوده في التحولات التي يعيشها المجتمع عموما والتي تحركها "نزعة الفرد المغربي المتنامية إلى اللامبالاة بالآخر وبحقوقه وبثقافته وحاجاته ورفضه للحوار والاختلاف"؛ أي، إلى قيم العيش المشترك والمواطنة، ثم الأثر البالغ "لاختلاط المفاهيم والمبادئ والقيم، وتضاربها لدى الأفراد والجماعات" وغياب التربية الروحية الإيجابية…

الآن وقد أدركنا أن ما التعليم إلا قضية من أخريات كثيرات نخسرهن في صمت وأنه في غياب الرؤية والمصداقية والأنساق الأخلاقية السليمة يضيع كل شيء كمثل سفينة بلا قبطان أو وجهة أو مقصد نكتب بحسرة وأسف شديدين كيف كنا بالأمس "أطفالا نرتعب اذا رأينا قطعة خبز ملقاة على الأرض، نركض، نحملها، نقبلها ونضعها في مكان عال، ونرسل قبلة اعتذار إلى الله… أي أرواح طاهرة خسرناها في الطريق وكيف أصبحنا اليوم صعاليك!!"