ويسألونك عني..

ويسألونك عني، قل لهم، أين يفر المرء في زماننا المتكالب؟ أين نشهق بحثاً عن متنفسٍ هنا، وشهقة حياة هناك، وسط الغاز والحصار الدامس من شرق الغوطة حتى آخر يمني في تعز. ثم يجلدونك على قارب مطاطي، مُرقّعٍ بما تبقى من مبذولك الأخير، مالاً وشرفاً وعزة. ثم تساق، أيها الشاب المتوقد، وأيها الطفل المتولد، وأيها العجوز المتنهد، طوابيرَ طوابير، مادةً للإغاثة، وجوائز تصوير، وإنجازات هيئات.
 

ثم نبيت على لجوئنا، نداريه أعواماً مديدة، وأجيالاً جديدة، تحمل العالم الأول، فيرتقي في"أوليته"، وتلقي العالم الثالث، فينحدر في "ثالثيته"، ونحن هناك بين عالَمين، شتاتُ ديكتاتوريةٍ، أبت إلا أن تحرق البلد.

 

ويسألونك عني، قل لهم، حملت الحلم من أيام بكجة التهجير، حتى حقيبة الطبيب في المخيم، ما زالت أوراقي الثبوتية تصفعني، على كل حاجز وعلى أبواب كل مطار وفي مقاعد القبول والتسجيل. حتى طلب العلم، يحتكرونه، وأنا المليء بمعادلات السياسة، وشعوري كيمياء من العلاقات الدولية، ووجهي قصائد أدبية، تجعدت قبل الموعد.

 

يسألونك عني، وأنا المولود وسط هذا الهباء، والساعي في كل هذا الفناء، يصيبني منه ما يصيبكم، ويغرقني فيه ما يغرقكم، والتوق للطوق، سبيلنا وسبيلكم

ويسألونك من أين أنت؟ فتتوه الهوية في مغارات من البلد الأصلي، حتى بلد النشأة، وصولاً لبلد الكد، انتهاء ببلد الغربة. تفرد الخريطة، وتنظر خطوط الفرنسي والإنجليزي كيف رسمت، وإلى الحدود كيف سُطِرَت، وإلى الأعلام كيف تلونت، وإلى الأنهار كيف فرقت وجمعت، ثم تستيقظ على نداءٍ أخير في مطار ينقلك عبر دول الاتحاد، دون سؤال.

 
ويسألونك عني، فقل لهم، صادروا الصوت الأخير، ووضعوه في صندوق من البغاء الانتخابي، ورقصوا فوق دمي. حتى المنسلخ من جلدهم سجنوه، وعلى بصيرة من العالم المتحضر، أحكموا ربطة بساطيرهم، فوق الإرادة والاختيار، والعبيد هم العبيد، والأحرار هم الأحرار.

 

ويسألونك عن قلبي، قل لهم، على كل قارعة مُلقىً، درويش طواف، شدوا عليه وثاق النمط السائد، وأشبعوه حِكماً مُعلّبة، فاستكان لعرف القبيلة، وقيد المدنية، وشروط العمل. حاكموه برواجح العقول، فمات عند أول نظرية، وعلى هامش أول فلسفة، قتلوا الذوق فيه، وتمترسوا خلف مكاتب الإيجار وربطات العنق الخانقة.

  
ويسألونك عنها، هي المغلوبة على أمرها على الدوام، متمردةً شاءت أم مستكينةً باءت، تسترت بكل الحشمة أم تلفتت بكل الفتنة، رفعت شعاراً في كل اعتصام، أم لاذت بالصمت في كل امتحان، لا تملك إلا قلبها، وإن حجّرَته، ولا غير غضاضتها وإن تجلدت، سلعة المتعاطِفِ وإن أنكرت، وضحية كل الحروب وإن انتصرت، أمّ العالم دون منازع، والنازفة على أعتاب الحياة منذ بدء الخليقة.

   

  

ويسألونك عنا، نحن أبناء الجغرافيا المتصارعة، ومواليد التاريخ المضطرب، وقيء الفكر الضحل، واجترار النكسات والنكبات، منفجرون إلى الداخل، منخمدون في الخارج، عبيدُ عند الخواجا، سلاطين فوق القريب، قابعون في التفاسير، فارون من التأويل، متصدرو الكلم، ومحجوبو الفعل. ثقافتنا زينة، ونخبويتنا تَمَوُّض، ومفرداتنا استعراض. غدونا سلعة مجزأة في قوافل التسويق، نكيل مشاعرنا أمام المجتمع، ونمنع بضاعتنا عن بعضنا بعيدا عن الأعين. يغرينا النفاق، وتسعدنا الصورة اللحظية، ونموت كبداً على خرابات وراء الكواليس.

 
ويسألونك عني، وأنا المولود وسط هذا الهباء، والساعي في كل هذا الفناء، يصيبني منه ما يصيبكم، ويغرقني فيه ما يغرقكم، والتوق للطوق، سبيلنا وسبيلكم. كفٌ في وجه المخرز وإن أُدميت، شوكة في الحلق وإن ابتُلِعت، خشبة طافية فوق المحيط المتلاطم وإن غرقت، لهب شمعة في مهب الريح وإن انطفأت. ثم بعد أن تدمى وتبتلع وتغرق وتنطفئ، تتكاثر ألسنة القوم، مديحاً وقصائد، مقالات وصحائف، تماثيل وقلائد، كل يدعي الوفاق بما ذكرت، وإيماناً بالذي به كفرت، ووصلاً بليلى التي أحببت.

 

لا تسألوا عني إن كان الموت هو من يوقظ الملامة، ويُذَكرنا بفناء الإقامة، ويحني منا كبرياء الهامة. فقد شبعناه في كل ركنٍ، وألفناه في كل وطن، وخطف منا كل روح، فصرنا عقولاً تناقش رجفة طفلٍ في الرمق الأخير، نخضعها لمراجعات فكرية، وتصويت أممي، وهامش ربح اقتصادي. لا تسألوا عنه ولا تسألوا عني فقد كفانا شرَف السؤال.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تعرضت بلدتان بريف إدلب لغارات ليلية بالفوسفور الحارق، وبينما تتواصل عمليات التهجير بالغوطة الشرقية بعث فصيل "جيش الإسلام" برسالة إلى دول مجلس الأمن يبلغهم بمبادرة لتسوية الوضع بمدينة دوما.

سقط قتلى وجرحى بريف إدلب جراء غارات للنظام وروسيا اليوم السبت، وتعرضت إحدى حافلات نقل المهجّرين من الغوطة الشرقية لحادث سقط فيه قتلى، بينما يستمر تهجير الآلاف إلى شمال سوريا.

أكد فصيل جيش الإسلام أنه رفض التهجير القسري من الغوطة الشرقية، واتهم قوات النظام السوري باستهداف أحياء سكنية بدمشق لتسويغ حملته على مدينة دوما، آخر جيب للمعارضة السورية بالغوطة.

الأكثر قراءة