وجدانٌ باردٌ وغوطةٌ تحترقْ!

مدونات - دوما

منذ أن بدأ وعيّ يتسرب إليه إدراك الأحداث السياسية والأحداث المهمة والكوارث التي ألمت بالأمة العربية والإسلامية بدأً من أحداث 11 سبتمبر مرورا بغزو أفغانستان والعراق؛ بدأت علاقتي بمجري تلك الأحداثِ بعيدة فاترة بحكم الطفولة وبعد تأثيرها على حياتي وحيوات المحيطين بي. 

 

وما إن لمست تلك الأحداث محيطاً جغرافياً أكثر قرباً وإن لم تلامس حياتي الشخصية وبدأ معها هم واهتمام بالغير ولاسيما أن هذا الغير يتشارك معي الدين والقومية والإنسانية؛ كان ذلك في "انتفاضة الأقصي" عام 2000 وخاصة الصورة التي هزت كياني باستشهاد الطفل "محمد الدرة" وتعاطف نجم عن مشاركة عمرية مع طفل ربما تكون مجرد أحلامه أن يحيي طفولة هادئة غير محفوفة بالمخاطر في مواجهة احتلال احلالي صهيوني.

 
ومرت السنوات وكبر معها ذلك الشعور بتتابع أحادث القضية الفلسطينية التي عايشتها باهتمام كان للأهل دور كبير في تعزيزه مرورا بـ "حرب لبنان 2006" و "حرب غزة 2008" كل تلك الأحداث شكلت وجداني بحزن وتضامن ممزوج بالقهر والعجز والآمال العريضة في غد تتغير فيه الموازين يقوى فيه الضعيف وينتصر فيه المظلوم، ولم يكن يشغلني في تلك الآمال سؤال الكيفية والامكانية.
   
كان الربيع العربي نقل نوعية لي في إدراك جزء من معضل العجز والشعور بالقهر والإرادة المرهونة لمصالح أعداء الأمة؛ كما أنه مثل بارقة أمل لنهوض ينتشلنا من خانة المفعول به للفاعل؛ لكن كان حال أهل الربيع العربي على درجة عالية من السذاجة جعلت منه ومن أهله مضغة في فم غول الثورات المضادة.

 

على الشعوب ولا بد لها أن لا تتوقف عن المقاومة لهذا الثالوث وإن تعسرت المقاومة المباشرة، فالمقاومة الغير مباشرة لم ولن تتوقف فإما أن تكون في معركة الوعي أو معركة السعي

ليعود نفس الشعور بالقهر والعجز؛ الذي بدأ يتسرب في فجر الربيع بأحداث الثورة السورية لكن كانت آمالي معلقة بنجاح دول الربيع في المضي قدما بمنجزاته لتكون إحداها "الدولة القائد" أو "الدولة النموذج" الذي يمد يد العون للثورة السورية. ومع أفول الربيع العربي استحوذ على ذلك الشعور تماما؛ مع يقين أن كل دول الربيع يرثى لحالها إلا من أفلت وإن كان جزئيا من الثورات المضادة.
   
ومع كثرة الجرائم بحق شعوبنا الثائرة وخاصة السوريون من "حلب_تحترق" لـ "الغوطة_تحترق" ومن البراميل المتفجرة لـ لقنابل الكيماوي في مشهد مفجع لا يكاد يمر فيه يوم هادئ دون ظلم وإجرام النظام السوري؛ ومع كم هائل من المجازر كنت أمام طريقين إما أن أقتل تلك الأنفاس الحزينة المقهورة وأعتاد لدرجة البرود على مشهد العجز والقهر وقلة الحيلة بشكل يورث إسحاباً كلياً من الاهتمام والإنهمام أو ماذا؟!
   
لم يكن بمقدوري أن أتصور سبيلين والخروج عن خلق كبرت معه لسبيل آخر ولم أستطع أن أحتفظ بطاقتي لتواصل المسير في الحياة بذلك الحزن والقهر وكان مجرد التفكير في الانسحاب والبرود مع كل تلك الأحداث كلما راودني في فكري أن ذلك مرادف للخيانة والخزلان دينيا وقوميا وإنسانيا؛ معضلة ما زلت أجتهد في حلها. ولكني خلصت لنقطة مفادها أن لا أتوقف عن الحزن والآسي حتي لا أخسر انسانيتي وألا أفرط في حزني حتي الاكتئاب والانسحاب بل أجعله طاقة راشدةً ومخزوناً يحرك النفس في المساحات الضيقة ومتناهية الضيق؛ فما كان لها ممكنا صار واجبا ونصرة المظلوم ولو بشطر كلمة ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأن الأيام دول ويلزمنا التهيؤ لدولتها.

 

لن يتوقف الغرب عن السعي وراء مصالحه وإن بدت سوءته ولن تتوقف إسرائيل عن تهيئة محيطها لـ "إسرائيل الكبرى" فلا توجد فرصة ذهبية لها مثل حالنا الآن ولن تتوقف "الحكومات الوظيفية" عن عمالتها وحتى تنتهي القوى الكبرى المؤثرة في العالم من التفاهم على مناطق النفوذ الجديدة -وقد يطول ذلك- ستستمر الأزمات العنيفة والحروب في بلادنا وتنتشر، قد تهدأ هنا أوهناك بين الفينة والأخرى لضرورات تكتيكية، لكنها لن تصل إلى خواتيمها إلا بإجماع القوى الدولية الفاعلة.

  
لذا فإن على الشعوب ولا بد لها أن لا تتوقف عن المقاومة لهذا الثالوث وإن تعسرت المقاومة المباشرة، فالمقاومة الغير مباشرة لم ولن تتوقف فإما أن تكون في معركة الوعي أو معركة السعي. ولا شك بأن الزمان ما زال في جعبته الكثير من الخير ليجود به؛ فمن بين الرحي يخرج الدقيق وبالنار المحرقة يظهر لنا الذهب.