كيف يمكن للعالِم أن يكون ملحداً؟ هوكينغ نموذجاً

منذ فترة توفي العالم البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ وقد أحدث ذلك ما أحدث من ضجة، وكعادتنا نحن العرب ركبنا الموجة من حيث ندري وبعضنا من حيث لا يدري.

 

لقد اكتسب الرجل شهرته الواسعة لأسباب عدة أهمها أنه عالم فيزيائي ذو فضل في مجاله حيث يقارنه البعض بنيوتن وأينشتاين في إضافته للعلم عامة وللفيزياء خاصة، وأيضاً لأنه تمكن من أن يكون كذلك على الرغم من كونه قد عاش حياته على الكرسي المتحرك بقدرات جسدية محدودة جداً وذلك لإصابته بمرض التصلب الجانبي الضموري هذا المرض الذي ينهي عادة حياة البشر في ما يقارب الخمس سنوات بعد تشخيصه، لكن الجانب الذي كان له الوقع الدرامي الأكبر عالمياً أن الرجل إضافة لما ذكر قد كان ملحداً!

 

لقد أصبح هوكينغ حجة يستخدمها الملاحدة في نقاشاتهم ومحاججاتهم معتبرين أنه عامل قوة يقف إلى صفهم والآن أعاد موته طرح السؤال الذي يقول: كيف يمكن للعالِم المتمكن من العلوم الطبيعية والتطبيقية أن يكون ملحداً؟ وكيف لنا نحن كمؤمنين أن نتقبل ذلك دون الشعور بالارتباك والاضطراب، وينطلق هذا السؤال من فكرة أن العالِم رجل ذكي جداً ولديه قدرات ذهنية وآفاق عقليه واسعة فكيف لم يتمكن وهو كذلك من التوصل الى وجود الخالق، كيف لم يسعفه ذكاؤه وعقله وعلمه في ذلك؟ كيف لم يتمكن كاتب "تاريخ موجز للزمن" من أن يدرك أن لهذا الزمن خالق؟

 

هنالك قصص كثيرة تدل على الفشل الأخلاقي للكثير من العلماء المشهورين، فأينشتاين مثلاً كان يعامل زوجته الأولى مثل الخادمة وبعد أن انفصلا وربح جائزة نوبل في الفيزياء تنكّر للمصاريف المترتبة على الأولاد

لطالما تم النظر الى العلوم التطبيقية على أنها جواب لسؤال "كيف ؟" أما الفلسفة فهي محاولة للإجابة على سؤال " لماذا؟ "ليس الأمر بهذا التعميم حتما لكن المقصود أن الفلسفة والعلم قد لا يكونان متصلين ببعضهما البعض من حيث الموضوع والأدوات كما قد يظن البعض، ويُنظر للفلسفة تاريخياً على أنها مرحلة فكرية أعلى من العلم حتى يقال أن العلماء فلاسفة ضعاف، بالتالي ليس من الضروري للعالم المتميز في مجاله أن يكون كذلك في الفلسفة فإذا كان لهوكينغ سبق في الفيزياء فذلك أمر لا يختلف فيه اثنان، لكن هذا لا يعني أن نقبل آراء الرجل الفلسفية بنفس الأهلية التي قبلنا به آراءه العلمية، قد يتم تشبيه الأمر كأن يشترك بطل العالَم في الشطرنج بمسابقة في الرسم وأن نتوقع منه أن يكون البطل فيها أيضاً!

 

إذا كان الذكاء شرط رئيس لنجاح العلم فإن الأخلاق هي الشرط الرئيس للإيمان، قد يساعدنا الذكاء في التوصل لبعض الحقائق الدينية بالتأكيد لكن هذا لا يكفي كي نصبح مؤمنين فنحن بحاجة للأخلاق كي نتبنى هذه الحقائق، إذاً فالعلم أمر ذهني أما الإيمان فأمر أخلاقي، وبهذا يمكن أن نفسر بسهولة كيف يمكن لعالم متميز أن يكون ملحداً ببساطة ذلك لأنه غير أخلاقي، وقد يكون إمانيول كانت أشهر من نادى بفكرة أسبقية الأخلاق هذه.

 

وهنالك قصص كثيرة تدل على الفشل الأخلاقي للكثير من العلماء المشهورين، فأينشتاين مثلاً كان يعامل زوجته الأولى مثل الخادمة وبعد أن انفصلا وربح جائزة نوبل في الفيزياء تنكّر للمصاريف المترتبة على الأولاد ثم تزوج من ثانية وقام بخيانتها هي الأخرى بعدة علاقات مع نساء أخريات، برتراند راسل مثلاً قام بخيانة تلميذه مع زوجته والأمثلة على ذلك تطول.

 

إذاً فالعلم علمٌ والإيمان إيمان، وكم من أُميّ لا يعرف القراءة والكتابة فاق إيمانه أعظم العلماء وكم من عالم سبر أغوار الذرة وحلّق في فلك المجرة فاته نور الإيمان، وليس في الأمر من شذوذ أو غرابة كما أوضحنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

مات إذن ستيفن هوكينغ. مات بعمر 76 عاما، وهو العمر ذاته الذي عاشه ألبرت آينشتاين، والغريب أن يكون يوم وفاة هوكينغ هو ذاته ذكرى ولادة آينشتاين.

رحل عملاق الفيزياء النظرية ستيفن هوكينغ، الرجل الذي أصيب بشلل منعه منذ شبابه عن الحركة والكلام، إلا أن إرادته جعلته يقدم نموذجا في العطاء والإيجابية، كما أرسى مفاهيم علمية جديدة.

فيزيائي عبقري، مقعد، لم تثنه صعوبات الحياة عن قفزات هائلة في اكتشاف الكون، هكذا تبدو صورة ستيفن هوكينغ، كأحد البازغين بسماء الفيزياء. لكن، وبنظرة على فلسفته، تتبدى لنا صورة أخرى!

الأكثر قراءة