عن الأحاديث الصامتة.. يبتسمون جهرا ويلعنون سرّا

مدونات - أصدقاء يتحدثون

في الأحاديث، هناك محادثات صامتة، وأخرى معلنة، ابتسامات مرتسمة ظاهرة، وامتعاضات تختلجها الصدور، تتصافى الألسن في لحظات التقائها، ثم لا تلبث أن تنفث شررها لحظات الافتراق، لم؟ ما الذي يدفع شخصين يعلمان كرههما لبعضهما بيانا أن يعلنا غير ذلك؟ أن تتخاطب الألسن والقلوب تعلن تنافرها.. ورغم لعناتنا المضمرة، إلا أننا راضون بطبيعة العلاقة الحاكمة، وقد يبدو إظهار ما في المساحة المظلمة من أفكار لا يراها الآخرون، تعديا، بل وجرما، يستحق العداء الصريح. فهل للأمر علاقة أننا ننزع لصفاوة الظاهر مهما حمل الباطن من مشاحنات؟ وهل هناك معايير تُلزمنا بالحفاظ على الابتسامات الصفراء؟

 

حتى في الحب، كثيرا ما نحوم حوله، بكل المواربات الممكنة، لكننا لا ندلف أبوابه، ولا نطرقها علنا، إلا بعد حين وحين، بكل الضوابط الممكنة. هل يمثل الإعلان ضعفا؟.. ألا يبدو دلقا لكرامة الإنسان دونما ثمن نضمن عائده الإيجابي.. ما الذي سندفعه ثمنا للإعلان؟ كرامتنا المهدرة حال الرفض، أم استدعاء لحظات الإعلان من قبل الآخر في فترة لاحقة إذا ما نشب خلاف، باعتبار المعلن هو من بدأ، وعليه فالآخر يملك ورقة يستخدمها في حال نشوب خلاف لاحق.. فكيف تبدأ حبا، ثم تبدأ خلافا؟.. الآخر لديه رفاهية بدء الخلاف، حيث لم يبدأ هو شيئا! ما الخلل في البدء؟ هل الشائبة فيما نسجناه حوله باعتباره هدرا لإنسانيتنا، ألذلك جعلنا حول البدء قوانين صارمة؟ ماذا لو كانت القوانين نسجا اجتماعيا غير محكم؟ شابته أهواء السلطة، سلطة الإنسان، قبل سلطة السياسة. ونبقى في ذات الحالة الصامتة، واقفون على الأبواب!

 

فلنعُد للوراء قليلا.. فإنه بين ما يُقال، وما يضمره الصدر، مساحات شاسعة، تنبئ عن كثير، عن المسافة التي تصف الحقيقة قبل إعلانها، وعن النص والفعل المضبوط حين خروجه، مراعاة لحواجز لا تتقيد بها أحاديث النفس.

 

ما الذي يصنع الضوابط، وما النافع والضار منها؟ وما المعايير التي تستند عليها؟ ومن ثم، هل تكمن الحقيقة في السلوك، أي أن ما نفعله هو ما يحدد الصواب من عدمه؟

للكلمة حمولة، ممتزجة بمشاعر نحملها بها، قاصدين بها دلالة ما، ومشاعر نتوقع أن نثيرها بالآخر، فما بين مساحة الذات الخاصة، والمساحة التي نمدها من ذاتنا لنشرك بها آخر، أي حينما نشرك ذاتنا مع آخرين، يصبح النظر لما يثيرها، ويحركها، مثارا يحفزنا لمراعاتها، خوفا، وطمعا، وحبا، ورجاءً. تناقضات ممتزجة، تجمع حالتنا الشعورية، وحالة الآخر. السياق هنا هو الأهم، وهو المحدد لكثير من التفاعلات.

 

ينطلق الفكر محلّقا في مساحاته التي لا يسلط عليها أحدٌ ضوءا، لكنها لا تلبث إلا أن تبدو هزيلة، مروّضة في قفصها المحكم، حين عرضها لذوات أخرى. أنخشى التقييم؟ لماذا يهوى البشر فكرة التقييم؟ حسنا.. قبل التقييم، لم لا نفكر قليلا في العلاقة الملتبسة بين مقصود لم ينطق، وبين منطوق بدت عليه عمليات المكياج التي أخفت ملامحه الأصلية.

  

دعنا ننظر للأمر من زاوية أخرى.. أوليست ضوابط الخارج جزءا من تشكُّل الحقيقة، أم أنها تورية لها، منتظرة مساحة تعبر فيها عن ذاتها في أطر لا تتلبد عندها غيوم الخارج التي تنبئ عن صواعق.

 

ما الضرر في الصواعق إن كانت ضابطة لأهوائنا؟ في المقابل.. هل يعد ترك الأفراد لما تختجله صدورهم دون كُلفة يدفعونها، تمهيدا لفوضى تعم؟ إذا، قد تبدو ضوابط الخارج نوعا من عملية التنظيم التي تُحمّل الأفراد تكلفة أقوالهم وأفعالهم، وعليه ألا تعد الكلفة ركيزةً من ركائز التنظيم الاجتماعي؟

  undefined

 

يبدو إجهاض المشاعر هنا مفهوما، ويبدو التمرد على عمليات الضبط مساحة رمادية غير مأمونة العواقب، لكن، كثيرا ما حملت المساحات الرمادية، أي بما يصحبها من فعل تمردي، لذة خاصة، لذة الانتصار، والظفر، لا الظفر المادي الخارجي بما نكسبه بمفهوم الربح والخسارة التقليديين، لكنه كثيرا ما حمل نشوةً رمزية تتلذذ بها النفس، إنها انتصاراتنا الذاتية، الداخلية، غير التافهة، والتي تعطي لحياتنا قيمة ما، نعبر بها عن استقلالية الذات، وإن المؤقت، رغم تكلفتها الخارجية المرتفعة.

  
ما الذي يصنع الضوابط، وما النافع والضار منها؟ وما المعايير التي تستند عليها؟ ومن ثم، هل تكمن الحقيقة في السلوك، أي أن ما نفعله هو ما يحدد الصواب من عدمه، أم أن هناك قيما متجاوزة للتفاعلات المادية، وبالتالي هي من تحددها وتضبطها؟

 

تحتاج الإجابة عن كل تلك التباينات لقراءة تناقضات كثيرة، تختلف باختلاف الموقف، والبيئة، والتفاعلات الاجتماعية، والسياقات المنتجة للتفاعلات.. وهذه مساحة شاسعة، تتجاوز النسبية والحدية.

 

لكننا معنيون هنا بالتوقف ولو قليلا، عند المساحة التي تقف بين المُضمر والمعلن، حيث هي لغة منفردة بذاتها، وخطاب متميز بملامحه الخاصة. فما بين إيماءة القبول المعلنة، ومساحات الضغط التي تكالبت على الفرد داخليا دافعة إياه نحو الإيماءة رغم كرهه لها، هناك الكثير مما يقرأ.. في تفاعلات النفس، من حيث نظرتها لنفسها، للآخر، للسياق الاجتماعي، لما يرنو إليه الفرد ويخشاه.. وما يمكن قراءته كذلك في تفاعلات المجتمع وما ينتجه. إنها لغة تقف على العتبة بين الخطاب الداخلي الجامح، والسلوك المدجّن.. ما بين ثنايا هاتين المساحتين.. الكثير، والكثير.