بين العلمانية واللادينية..

يقول علي الوردي "لو خيروا العرب بين دولتين علمانية ودينية، لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية" العلمانية في السياق التاريخي للحداثة الأوروبية هي فصل الدين عن الدولة، وقد أثرت ثلاثة أمور في ظهور هذا المفهوم الذي يعتبر ابن الحداثة الغربية وهي كالاتي:
 
• تنامي الفلسفة السياسية، بعد تمهيدات مكيافلي صاحب كتاب "الأمير"، في اتجاه تحرير الدولة من الشرعية الدينية.
• قيام الثورة الفرنسية الكبرى بعد معاهدة وستفاليا والثورتين الإنكليزية والأمريكية، بالانتصار لسيادة الشعب والدولة القومية ومبادئ الحرية والمساواة والإخاء وإقامة التشريع في الدولة على أساس "حقوق الإنسان والمواطن".
• استعداد أصلي في الدين المسيحي لتقبل الفصل بين الكنيسة والدولة ارتكاز على التميز الإنجيلي بين "ما لقيصر" ومالله".
 
هذه الأمور الثلاثة هي ما حدد على مراحل متعاقبة، المسار الذي استقر وتكرس في القرن العشرين فصلا مقبولا بما يقارب الإجماع بين الدولة والدين، وفي هذا صدد يميز الأستاذ عبد الصمد بلكبير بين " فصل الدين عن الدولة" و"فصل الدولة عن الدين"، ففصل الدين عن الدولة هو عزل أو تمييز إيجابي لصالح الدين، حيث يجعل من الدين بمثابة ضمير وموجه أخلاقي ورقيب، أما فصل الدولة عن الدين فهو الوجه الحقيقي للائكيه أو ما يسميه المفكر عبد الوهاب المسيري بالعلمانية شاملة وهي عدم قبول الدين نظريا.
 

العلمانية الجزئية كما سماها الدكتور عبد الوهاب المسيري أو ما يسميه المفكر المغربي امحمد طلابي بالمدنية الخالصة هي تحرير السياسة عن القداسة، ويكون للشعب فيها حق اختيار مرجعية الدولة

ويرى الأستاذ بلكبير أنه ليس للدولة الحق في أن تتدخل في الدين بصيغ الاستعمال والهيمنة وإضفاء القدسية والشرعية على قراراتها، ولكن للدين الحق أن يتدخل في الشأن السياسي على مستوى المرجعية الأخلاقية والمرجعية التوجيهية والمرجعية السلوكية. يقول الدكتور إبراهيم عدنان "قد نجد في قلب الإسلام جوهر العلمانية"، هذه المقولة صدمت الكثير من العرب والمسلمين، وهي في وجهة نظري مقولة صحيحة ويمكن القول بها، لأن دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة قامت على ميثاق المدينة "الصحيفة"، التي تنظم الحياة في المدينة بين المسلمين وغير المسلمين، ويقوم هذا العقد الاجتماعي باللغة جون بول سارتر على أهم ما جاءت به العلمنة وهو أن كل الناس خلقوا متساوين في الحقوق وأحرار في الاعتقاد كما جاء في الإعلان الأمريكي والفرنسي لحقوق الإنسان، ووثيقة المدينة كانت أكثر تقدمية وديمقراطية بالمقارنة مع العديد من الدساتير في هذا زمان، حيث ضمنت لكل مواطني المدينة الحق في الاعتقاد وكفلت لهم الحق في ممارسة شعائرهم الديني.
 
ومن هنا علينا أن نفرق بين العلمانية كاختيار فكري وثقافي في تجلياته الليبرالية والاقتصادية والسياسية، وبين اللادينية (اللائكية) التي تتناقض وتناهض الدين والتدين، ويقول الدكتور المقرئ أبو زيد الإدريسي أن التيار العلماني المتطرف (العلمانية شاملة)، هو تيار ليست قضيته فصل الدين عن الدولة، وكذلك طبيعة الرؤية وتصور لدنيا، فهذا التيار ينظر للدين أما كأفيون كما جاء في تعبير كارل ماركس "الدين أفيون الشعوب"، وأما كعنصر مضر ينبغي استئصاله من الذات مثل الميكروبات الضارة، أو خطر ينبغي أن يباد حتى من العقول.
 
العلمانية الجزئية كما سماها الدكتور عبد الوهاب المسيري أو ما يسميه المفكر المغربي امحمد طلابي بالمدنية الخالصة هي تحرير السياسة عن القداسة، ويكون للشعب فيها حق اختيار مرجعية الدولة "دينية او غير دينية"، أي فصل الدين عن الدولة وجعل من الدين البوصلة الموجهة للدولة على مستوى المرجعية الأخلاقية والمرجعية التوجيهية والمرجعية السلوكية.
_____________________________________________________________________________________________________________________________
المراجع :
العلمانية انتصارا للعدل، بحث مقدم على الندوة التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس في الرباط ( المغرب )، بتاريخ 20- 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، تحت عنوان: "رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"، وإلى الندوة التي نظمتها كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية في جامعة الروح القدس – الكسليك ( لبنان )، بتاريخ 4-5 كانون الأول / ديسمبر 2009، تحت عنوان " العلمانية في مساءلة متجددة "، وذلك بموافقة المسؤولين في الكليتين .
د. عبد القدوس أنحاس، جدل الإسلاميين (الخلاف العلماني الإسلامي -حالة المغرب نموذجا -)، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الاولى، بيروت، 2013.
برنامج صحوة 2 تلفزيوني مع الدكتور عدنان ابراهيم وأحمد العرفج، الحلقة المعنونة بالعلمانية والإسلام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تساءل برنامج "الاتجاه المعاكس": أليس من حق الإمارات أن تعمل على تحويل العالم العربي إلى دول علمانية؟ أم أن الإمارات تلعب بالنار؟ ومن أعطاها الحق لتغيير وجه المنطقة دينيا وسياسيا؟

الأكثر قراءة