بوتفليقة.. اتركوا الرجل يرتاح!

الحديث باسم الرئيس في الجزائر أصبحت مهنة لمن لا مهنة له فمنذ مرض الرئيس الأخير أصبح محيطه منذ ذلك الوقت يصدر قرارات باسم الرئيس، يجري التعديلات الحكومية باسم الرئيس، تلاوة رسائل في عدد من المناسبات باسم الرئيس أيضا وكل ما هو منوط بالرئاسة والذي كان بوتفليقة يمارسه قبل أن بصاب بالوعكة الصحية مؤخراً أصبح يمارس باسم الرئيس. الرئيس بوتفليقة الذي قال في 2012 أن جنانه طاب بمعنى أن جيله أدى ما عليه منوها إلى أنه آن الأوان لتسليم المشعل لجيل الشباب في تلميح واضح لعدم ترشحه لعهدة أخرى وقتها، عدل الدستور وفتح باب العهدات الرئاسية ليتوج رئيسا للجزائر بالعهدة الرابعة والعهدة الرابعة اليوم لم تنته بعد والبعض من محيطه الذي يدعم الرداءة أينما كانت يناشده للترشح لعهدة خامسة، هذا النداء ليس حبا في الرئيس بل خوفاً على مصالحهم والامتيازات التي يحظون بها اليوم في ظل بقاء الرئيس.

  
لا يقبل عاقل مسألة ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة ولا حتى العهدة الرابعة قبل أعوام لم تكن قابلة للتصديق، لكن مع الأنظمة العربية كل شيء وارد ومع حزب جبهة التحرير الوطني بصفة خاصة لا وجود للمستحيل وتوقع مع مناضليه ما لا يخطر في بال عاقل، كيف لا وخرجات أمينه العام السيد جمال ولد عباس تصنع الحدث بتصريحات تهريجية تسيئ لسمعة الحزب الذي حرر البلاد قديما وكذا سمعة البلاد بصفة عامة.

  
العجيب في الأمر أن النائب البرلماني بهاء الدين طليبة الذي أعلن قبل أشهر عن ميلاد تنسيقية لدعوة الرئيس بوتفليقة للترشح لعهدة خامسة قوبل بإحالته على المجلس التأديبي لحزب لجبهة التحرير الوطني بطلب من الأمين العام للحزب جمال ولد عباس بغية لجم تطبيله الزائد عن حده الأمر الذي يدل على حالة العفن والتعفن التي يعايشها البلد فأصبح كل من هب ودب الأمر الذي لم نشهده قبل وعكة الرئيس الأخيرة، وقتها كان الرئيس يتحدث ويصرح ولم يكن في حاجة لمن يدعو إلى ترشيحه لعهدة رئاسية.
   

المنظومة الحالية في الجزائر تدعم الرداءة أينما كانت كيف لا ونحن نشاهد ضحايا التسرب المدرسي ينعمون بخيرات الريع البترولي وتقلد مناصب لم ولن تتاح للنخب لأنهم ببساطة يعشقون الرداءة

جمال ولد عباس الذي أحال النائب البرلماني بهاء الدين طليبة على المجلس التأديبي نظير تحدثه عن العهدة الخامسة حيث اعتبر ذلك خطا أحمرا يحاسب كل من يتجاوزه ها هو اليوم يدعو الرئيس بوتفليقة للترشح لعهدة رئاسية خامسة! فمن يحيل إذا جمال ولد عباس على المجلس التأديبي! واضح جدا حالة استنفاع محيط الرئيس في العهدة الرئاسية الحالية التي ما فتئت أن تنتهي حتى طالب. المستفيدون من الريع البترولي من المطبلين والمنبطحين بتمديدها لعهدة خامسة ولما لا سادسة.
   
الرئيس الذي لم يخاطب شعبه طيلة هذه العهدة بدل أن يهتموا بصحته ويدعوه يخلد للراحة راحوا بستغلون مرضه بأبشع استغلال فكانت العهدة الرابعة ونحن قاب قوسين من الاعلان الرسمي لترشحه للعهدة الخامسة التي لم ولن ترحمنا الأجيال القادمة عند التطرق لها. الجزائريون يحبون بوتفليقة ولا ينكر أحد أنه له وما عليه في نفس الوقت لكن احتكار السلطة السياسية في شخص الرئيس وتخوين حاشيته لكل من ينتقد الوضع الحالي يدفعنا للقول بأن الجزائر طيلة ربع القرن الماضي كانت عبارة عن مملكة عن سبق الإصرار والترصد.

 
ما يحدث اليوم هو تحصيل حاصل لغياب أو تغييب النخبة عن المشهد السياسي وانشغال المواطن بطوابير الظفر بكيس حليب ومعاركه في كسب قوت يومه وإطعام أولاده المشهد الذي سيبقى وصمة عار على جبين كل مطبل للعهدة الخامسة والرابعة التي سبقتها. المنظومة الحالية في الجزائر تدعم الرداءة أينما كانت كيف لا ونحن نشاهد ضحايا التسرب المدرسي ينعمون بخيرات الريع البترولي وتقلد مناصب لم ولن تتاح للنخب لأنهم ببساطة يعشقون الرداءة.
 
أخيرا لا عجب في أن نرى عهدة خامسة لأن حالة التعجب مازالت قائمة في تمرير العهدة الرابعة السابقة، فلا اختلاف بين العهدة الرابعة والخامسة والعاشرة ما دام ضحايا التسرب المدرسي يتولون زمام الحكم والمسؤولية في عديد القطاعات، ان خرجة الرئيس بوتفليقة اليوم وتدشينه لمسجد كاتشاوة والحالة الصحية التي كان عليها اليوم إهانة لشخص الرئيس ولصورة البلد ككل، ألم يحن الوقت بعد لترك الرجل يرتاح؟

  
صور اليوم ستبقى وصمة عار على جبين كل مطبل للعهدة الرابعة السابقة والعهدة الخامسة المزمع ترشيح الرئيس بوتفليقة لها، الرئيس كان شاحب الوجه منهك التفكير، والحشد الشعبي الذي أوتي به مصفقا له هو محاولة فاشلة لدعم مساعي العهدة الخامسة واهانة لصورة البلد وتقسيم الخبز على الحاضرين وكذا الكاشير هو الآخر مظهر من مظاهر البؤس والافلاس السياسي والأخلاقي.

اتركوا الرجل يرتاح!
  

بعض الماكينات الإعلامية لم تتأخر في التطبيل ولعق الأحذية لصناع القرار السياسي في الجزائر، وسائل الإعلام التي من المفروض أن تكشف الحقائق وتحترم عقل المشاهد ها هي اليوم تمارس الرداءة والبهرجة وتصور زيارة ميدانية للرئيس بوتفليقة على أنها فتح للأندلس! المشاهد الجزائري ذكي ولو كان بيد السلطات المختصة حجب مواقع التواصل الاجتماعي لحجبتها بغية ممارسة سياسة التعتيم وتقييد حرية التعبير، فأصبحت بذلك مواقع التواصل الاجتماعي المتنفس الوحيد للجزائريين للابتعاد عن البهرجة والتضليل الإعلامي الممارس عمدا في القنوات الخاصة وإن انحرفت إحداها عن الفلك المرسوم من قبل السلطة فإنها ستجد سياسة التضييق التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى وضع خط افتتاحي إعلامي يساعد ويلبي تطلعات صناع القرار والمشهد السياسي في البلد.
   
وحتى نكون منصفين في تحليلنا لواقع البلد ومآسيه فان صفة المعارضة لا يصح إطلاقها بتاتا على من يدعون المعارضة اليوم في الجزائر، فلو كانوا فعلا حلقة مؤثرة في البلد لما سمحوا لضحايا التسرب المدرسي ودعاة العهدة الخامسة والرابعة التي سبقتها بنخر البلد واستنزاف خيراته المادية والبشرية منها، فها هي اليوم الكفاءات الجزائرية تهرب أفواجا من البلد.
   

الاستغلال البشع لحزب جبهة التحرير الوطني الذي رسم سابقا انتصارات الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي  مظهر من مظاهر البؤس التي يعاني منها الجزائر

التنمر الذي تمارسه المنظومة باحتكار السلطة في أشخاص برهنوا عن فشلهم لسنوات، وبعضهم عاثوا في الأرض فسادا لمدة 17 سنة، يقابله في ذات السياق معارضة تبحث عن مصلحتها ولو أتيحت للأخيرة الاستفادة من الريع البترولي لما ترددت في دعم سياسات الرئيس وتوجهاته، نحن هنا نتحدث بصفة عامة عن المعارضة في الجزائر التي مرة تعارض المنظومة الحاكمة ومرة تهادنها وتغازلها.

وزير الشباب والرياضة السابق الهادي ولد علي كان سابقا محسوبا على تيار المعارضة في وقت ليس بالبعيد ولكن بمجرد تعيينه وزيرا للشباب والرياضة أصبح مباركا لقرارات الرئيس أكثر من محيط الرئيس، دفاع الرجل عن خيارات الرئيس يجعلك تندهش فعلا كيف لا وهو كان سابقاً يعارض الرئيس في أكثر من مناسبة.

 

مرض الرئيس أضر بالوضع الداخلي للبلد وكذا بصورته على الصعيد الخارجي فالدبلوماسية الجزائرية التي كان يعول عليها في عديد القضايا الإقليمية والدولية ها هي اليوم تعاني شللا لم يسبق له مثيل، فآخر زيارة عتروس خارجية للرئيس بوتفليقة كانت قبل سنوات، والجميع يعلم أن الجزائر منغلقة اليوم على نفسها. الثابت واليقين أنه حتى لو ترشح الرئيس لعهدة خامسة فإنها ستكون آخر عهدة له لكن لا بأس أن نذكر من يهمه الأمر أن الجماعة التي طبلت للعهدة الرابعة السابقة والعهدة الخامسة المقبلة هي نفس الجماعة التي ستنهش شخص الرئيس وسياساته السابقة وسيخرج علينا بعضهم منتقدين الرئيس وسياساته السابقة رغم أنهم كانوا مستفيدين من فترة حكمه على حساب أموال الريع البترولي.
 
كفى تشويها لشخص الرئيس وإنجازاته التي لا ننكرها وكفى من جعلنا أضحوكة أمام الأمم والأجيال القادم. الجزائر والجزائريون يستحقون الأفضل وآن الأوان لنقول اتركوا الرجل يرتاح وفكروا في مصلحة البلد الذي غادره نخبه من بطش سياساتكم وفشلكم الظاهر للعيان كيف لا وشبابه اليوم يغادرونه حشودا عبر قوارب الموت، فمات من مات منهم في رحلة الهروب تاركاً وراءه أسرته تبكي بكاءً عليه.
 
إنّ الاستغلال البشع لحزب جبهة التحرير الوطني الذي رسم سابقا انتصارات الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي وكذا اسم الشهداء في عملية صناعة القرار السياسي للمنظومة الحاكمة مظهر من مظاهر البؤس التي يعاني منها البلد والتي كان نتاجها فشل ذريع في تسيير البلد، فساد، تأخر في التنمية، اقتصاد محطم يعتمد على مداخيل البترول، تهجير البلد من شبابه. إنّ خرجة اليوم إعلان صريح عن قرار ترشيح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة وإن حدث ذلك فلا حاجة في رأيي لإجراء انتخابات رئاسية الرابح فيها معروف ولا حاجة للمترشحين للمشاركة في هذه البهرجة التي لم ولن ترحمنا الأجيال القادمة في انتقاداتهم لنا .



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي تقريرا تألف من 43 صفحة حول الأوضاع السياسية والاقتصادية بالجزائر، ولعل ما تطرق إليه التوقع بترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.

أستاذ جامعي وسياسي ونقابي جزائري، وهو الشقيق والمستشار الخاص للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. يعد بفعل منصبه حلقة الوصل الأساسية بين الحكومة والرئيس في ظل مرضه. ويوصف بالشخصية الأكثر نفوذا بالجزائر.

الأكثر قراءة