الوجعُ الذي لا يُبكي صَاحبهُ ويُبكينَا

يولد المرء فيبدأ حياته بصرخة، كأنّه لم يرغب في القدوم إليها أصلاً، وما تلكَ الصّرخة سوى بداية لمجموعةٍ من الصّرخات، ثمّ يرحل منهَا بهدوء تاركًا خلفه مجرّد زفرة.

 

لكن النّاس قد اختلفوا حتّى فيما يُخلّفُه المرء وراءه في تلك اللحظات الأخيرة، فمنهم من يرى أنّ حياتنَا تنتَهي بزفرة أخيرة نطلقُها لنرحل بسلامٍ، لا نحملُ معنا من هذه الدّنيا شيئًا، ومنهم من يرى أنّ الفارق الوحيد بين ما فعله الميّت في لحظاته الأخيرة وبين ما نفعلُه هو أنّه لا يُطلق الزّفرة بعد أن عبّأها شهقًا… أي أنّ حياتنا مُجرّد زفرةٍ إن أطلقناها حيينا، وإن حبسناها في صدورنا كنّا في عداد الموتى!

 

قرأت مرّة مقالاً من كتاب الألغاز الطبيّة للكاتب الرّاحل الدكتور "أحمد خالد توفيق"، حيثُ استوقفتني عبارة أكاد أجزم أنّها هي أكثر ما شدّني في ذلك المقال كلّه! ولا تزال ليومِنا هذا تثير في ذهني الكثير من التساؤلات: (صرخة الميلاد الخالدة)، أوّل سؤال راودني وأنا أقرؤها: لماذا ربط الخلود بصَرخة الميلاد فجعل منهَا خالدة؟ لماذا ليست زفرة الموت هي الخالدة؟

 

قد يتسرّع بعضُكُم في القول أنّها زفرة الموت "الخالدة" لأنّ الخلود يكُون بعد الموت، هنا يجدر بي الإشارة أنّ الخلود هُنا صفة للموصوف زفرة أو صرخة، ولا نتحدّث عن الإنسان فالفصل في الأمر واضحٌ إن تعلّق الأمر به، ولربّما كان الدكتور أحمد توفيق يملكُ تفسيرًا لاختياره، فالكاتبُ عادةً يختارُ عباراتِه بعناية لأنّه يُدرك التمايز الكبير بين العقول التي تتلقّاها.

 

فإن حَلَّلنا اللّحظتين (لحظة الميلاد ولحظة الموت)، بشكل يُمكّننا ربّما من الفصل في الأمر، مثلاً إذا ما ربطنَا الخلود بالصّرخة، وحاول كلٌّ منّا عبثًا سماع صرخته يومَ ميلاده، فلا أحد منّا سيتمكّنُ من ذلك، حتّى إن ربطنا الأمر بالصّوت أو الأثر الذي قد نتركه، فلن نجِد تفسيرًا واضِحًا للأمر، فكلّ شيء سيفنَى حتّى لو تركنا منه الكثير.

 

أمّا بالنسبة لتلكَ الزّفرة الأخيرة التي نُطلقُها لحظة الموت، فهل تستحقّ حقًا صفة الخلود! زفرة مُحْتَبَسَة لمخلوقٍ استرخى واستكَان وأغمضَ عينيه ونفَض يده من كلّ ما حوله… إنّ تحليل هذه اللحظة بالذّات يقودك إلى متاهاتٍ أخرى وأسئلة أشدّ تعقيدًا من السّؤال الذي انطلقنا منه في البداية، هل تتنفّس أرواحُنا يوم القِيامة؟ ثمّ هل هناك هواء أصلاً يومَها؟ أسئلة لا أملكُ إجابة عنهَا رغم البحث، وربّما لم تخطر لأيّ منكم من قبل، وربّما منكُم من يملكُ إجابة.

 

لا يُمكننا وصفُ الموتِ بالفراق، ففي الفراق يتألّم الطرفان، أما الموت يُظِلُّ صاحبه بنعمة الراحة والخلاص، بينما يلسعُ ذويه بنقمة الضياع والحرمان

بعيدًا عن هذه الفلسفة وعودةً لموضوعِنا الأساسي، إن الموت قد يأتي بلا مقدمات، أو يأتي مُحاطًا بالكثير من المظاهر والتوقعات ولكن في جميع الأحيان يكون هو المُنتصر الوحيد، فهو الحقيقة الواحدة الأبديّة التي تخضعُ له كلّ الرؤوس معلنةً عجزها، كلُّهم يجري في اتجاهِ الموت، من حيث يدري ولا يدري، وللموت وجهان: وجهٌ مُشرقٌ مُرِيح، ووجهٌ مُغبِرٌ قاتم.

 

فوجهه المشرق يكمُن في حالة السّكون التي تظهر على الميّت، جسدٌ متخشبٌ لا حياة فيه، فقد ابتلع زفرته الأخيرة، زفرة ملتهبة بعد شهقة عسيرة متكسّرة، ثم ارتخى دفعة واحدة، واستراح وأغمض عينيه وأصم أذنيه عن كل شيء من حوله… لا شيء يمنعُ رحيل روحه بسلام مهما تعالت من حوله الصّرخات.

 

أما وجهه المُغبر، فقد يظهر في شكل سيل من الدّموعٌ، صرخاتٍ تصم الآذان، انكسار مروّع، والكثير من الآهات المكتومة. يتأسَّف أهلُ الدُّنيا على فقيدهم، يبكون ويَلطمون الخدود، ويَشقُّون الجيوبَ، فلا يُرجعونه ولا يؤثرون، بل يُؤْثَرون، مِن هؤلاء مَن يبكي خوفًا من هذا اليوم الذي يوقِن أنه ملاحقه، فمُدرِكه، ومنهم مَن يبكي حقيقة، لأنه أدرَك الخطر بفَقْد حبيبٍ أو عائل، ومنهم من يتصنّع البكاء.

 

إنّنا حتّى لا يُمكننا وصفُ الموتِ بالفراق، فالفرقُ شاسعٌ بينهما، ففي الفراق يتألّم الطرفان بشكلٍ ربّما متساوٍ، في حين أنّ الموت يُظِلُّ صاحبه بنعمة الراحة والخلاص، بينما يلسعُ ذويه بنقمة الضياع والحرمان.

 

منذ أيّامٍ قليلة اهتزّ حيّنا جرّاء حادث انتحار فتاة لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها بعد أن ألقت بنفسها من الطّابق الرّابع، لم تعنيني الأسباب التي أدّت بها إلى هذا الفعل بقدر ما رثيتُ والدها وحاله، فأضحى قلبُه فارغًا مُقفِرًا خاليًا من أيّ مَلمَحٍ من مَلامِحِ الحياة، شاحبًا جافّا كأنه طلّل تقادَم عهده، ومن قد يلومه على حاله فوجيعَة الموت ليسَت أبدًا لصَاحبه، ولكِن الوجيعَة لمن يحبُّونه. ولا أوجع من مرارة الفقد ولوعة القلب على خسارة من نُحب، فكيف به وقد فقد في غمضة عينٍ فلذة كبده، ثمّ دمها الذي ظلّ يفترشُ أرضية الفناء ليومين متتابعين، ليذكّره في كلّ مرّةٍ يمرّ به، بلحظاتها الأخيرة وهي تنازع الموت، لولاَ أن رأف أحدهُم به فأزاله، ورغمَ ذلك تراهُ هادئًا مُحتسبًا، فأيّ قوّة تلك التي وضعها اللّٰه في قلبه ليبقى صامدًا صابرًا أمام هذه النكبة.

 

إنّ الآباء يا صديقي يتوجّعون لفقدنا أكثر ممّا نفعل نحن إن فقدناهم، فنحنُ وإن طال حُزننا سرعان ما تعودُ المياه لمجاريها، فنمضي في حياتِنا من جديد، ونعودُ إلى دَأْبنا القديم، تُلهينا مشاغِلُنا وأعمالُنا أو رفقة أبنائنا وأزواجنا، فيُنْسَى الحَدَث ويُطوى طيًّا، بفضْل نعمة النِّسيان ونقمته، ونذكُرهم في أوقاتٍ حَدثًا من التاريخ، فتَنتهي المواعظُ المساقة مع موْتهم.

 

بينما إن حدثَ وفقدوا أحدنَا فلا شيء يسدّ عليهم الفراغ الذي نُخلّفه، لأنّنا كنّا الحياة بالنّسبة لهم، فكان واقعهم من واقعنا، ما يُسعدنا يسعِدهم وما يُضِيمنا يُضِيمهم… حتّى وإن عظّمنا شعور الألم بداخلنا لفَقدِهم فلن يكُون أبدًا بحجم الألم لديهم وهم يشيّعون جثماننا لمثوانَا الأخير.

 

فما أوهى الخيط الفاصل بين الحياة والموت، زفرة أو لحظة او رمشةُ عين، ففي لحظة يكون الإنسان مفعم بالحياة وفي اللحظة التالية يُصبح كأنه لا شيء، يفقد وجوده وكينونته، عقله وفكره، فيصبح كأنّه لم يكن، قطعة باردة لا تنفعُ ولا تضر… في زفرة يصبح المخلوق الذي تعلقت حياتنا به مجرد جسدٍ مثواه التراب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

عبرت الخارجية الروسية اليوم الاثنين عن رفض موسكو الاستخدام "العشوائي" للقوة من قبل الجيش الإسرائيلي في حق المدنيين بقطاع غزة، ودعت الفلسطينيين والإسرائيليين إلى ضبط النفس.

خلال وقفة رمزية بباريس بمناسبة زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، طالبت منظمة العفو الدولية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوقف بيع الأسلحة للرياض، مشيرة لاستخدامها في جرائم حرب باليمن.

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته على وشك اتخاذ قرارات مهمة بشأن سوريا، ولم يستبعد الخيار العسكري ردا على الهجوم الكيميائي على مدينة دوما في الغوطة الشرقية بسوريا.

الأكثر قراءة