الأمية بين الأصل والنقل

صدمتُ جداً عندما علمتُ أن الكتاب الذي أحببت والذي قرأته عشرات المرات كتابٌ مسروق! أي أن مؤلف الكتاب الذي أقدم على سرقة الكتاب من مؤلفه الأصلي وأقدم على تغيير غلاف الكتاب ونسب تأليفه له! إنه من المخجل أن يُقْدِمْ شخصٌ ما على سرقةِ نتاجِ فكر غيره ويعمل على تسويقه على أنه إبداعه ونتاج فكره ومن بناة أفكاره، ودون أيةِ خجل يعمل على تقمصِ دور الكاتب والشاعر ويلعبُ دور القاص والرواي!

 

ربما أن تسرق جملاً وتذبحهُ وتطهوه وتقدمه للناسِ ويأكلونه بأسنانهم أهون من أن تسرق نصاً وتحشوه عنوةً في حلوق القراء ليهتفوا لك على مجدٍ زائف ليس لك، وقصرٍ بنيته في رمالِ غيرك، وأهون ألف مرة من أن تصنع من نفسك نجماً بسرقةِ الضوء من غيرك.

 

شعرت بالخجل عندما علمت أن داعية سعودي معروف غرم من قبل المحكمة مبلغاً مالياً كبيراً بسبب انتهاكه حقوق الملكية الفكرية لكاتب آخر، وذات الداعية نفسه أتهم بسرقة كتاب عائد لكاتب آخر، وأقدم أيضاً على نشر قصائد وأبيات شعرية نسبها لنفسه مع بعض التصرف اليسير جداً بها دون ذكر تصرفه بتلك الأبيات. 

 

هنالك فرقٌ كبير بين الأصل والنقل، وهنالك فرقٌ كبير بين النسخِ واللصق، كمثل سباقٍ بين فرسٍ أصيلةٍ وسلحفاةٍ مريضة، فلص الأفكار والكتابات ما هو إلا باحث عن مجدٍ مزيف

والشيء بالشيء يذكر فقد أقدم مقدم برنامج ديني شهير على قناة أبو ظبي على سرقة مقالاتٍ للكاتب أدهم الشرقاوي وقام بقراءتها حرفياً في برنامجه المشهور، دون الإشارة لكاتب المقال، وما أثار غضبي أنه لم يخجل من فعلته عند انكشاف أمره بل تبجح مقارناً شهرته وعدد متابعي برنامجه بشهرة الكاتب الأصلي.

 

نعم إنه من غير المألوف أن يقدم شخصٌ على سرقةِ نتاجِ فكرِ غيره وينسبه له، فهذا أمرٌ خطير وجريمةٌ غيرُ مألوفة ولا مقبولة، وربما أنها أقبحُ من الجرائم المادية لا بل وتفوقها خطورة وبشاعة. فسرقةُ الأفكار سواء كانت أدبيةٍ أو علميةٍ قضيةٌ قديمةٌ جديدة، وما ساهم بانتشارها بشكلٍ كبير بعصرنا الحاضر هو التطور التكنولوجي الكبير وخاصةً فيما يتعلق بمجال التواصل والاتصال، فمع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت عملية السرقة أسهل وأسرع، فعملية النسخ واللصق لا تكلف سوى نقراتٍ خفيفة على فأرة الكمبيوتر أو لمساتٍ بسيطٍة على شاشة الأجهزة الذكية.

 

قد يستغرب البعض أن يتورط شخصياتٌ عامةٌ مألوفةٌ معروفةٌ وأشخاصٌ مشهورون يشار إليهم بالبنان ويأخذُ برأيهم ويستشهد بهم بمثلِ هذا النوع من الجرائم، لكن وللأسف فهذا الشيء حصل ويحصل وربما على نطاقٍ لا يستهان به. لا تستغرب عزيزي قارئ هذا المقال إذا كنت كاتباً أو باحثاً أو شاعراً أن تجد نتاجك الفكري قد نقله غيرك ونسبه له بلا خجلٍ ولا وجل. أتذكر أنه قد تم نشر مقالٌ لي على مدونات الجزيرة ومن باب الفضول لأعرف مدى انتشار المقال وتداوله بين الناس فقد وجدت أحد الإخوة وهو من المتعلمين كما يدعي قد قام بنسخ المقال ولصقه كاملاً غير منقوص دون الإشارة لكاتب المقال ولا إلى مصدره وفي نهايةِ المقال دون اسمه، وكان قد أخذ بالرد على المعلقين ككاتبٍ للمقال!

  

 

وأتذكر قصةً أخرى لكاتبٍ آخر قام أحد لصوص الأفكار بسرقةِ مقالةٍ له ونشرها باسمه بأحد الصحف اليوميةِ الرسمية ، ولسوء حظ السارق فإن ذلك الكاتب من المتابعين لهذه الصحيفة، ليكتشف جريمة السرقة التي تعرض لها ليرد فيما بعد بمقال آخر بحمل عنوان "الأمية بين الأصل والنقل" بنفس الصحيفة على ذاك اللص تعيس الحظ، فتحول حلم الشهرة بالنسبة له إلى كابوس مزعجٍ مخيف وإلى عارٍ لصق به وبعائلة حتى اللحظة وإلى أن تقوم الساعة.

 
فهنالك فرقٌ كبير بين الأصل والنقل، وهنالك فرقٌ شاسع بين الناقلِ والمنقول منه، وهنالك فرقٌ كبير بين النسخِ واللصق، كمثل سباقٍ بين فرسٍ أصيلةٍ وسلحفاةٍ مريضة، فلص الأفكار والكتابات ما هو إلا باحث عن مجدٍ مزيف وشهرةٍ مسروقة ونجوميةٍ زائفة.

 

فالسرقة الأدبية أميةُ عنيفة وجاهليةٌ مخيفة وإن اصطلحَ على تسميتها بالجريمة، فهي أمية، أمية الأصل والنقل، أمية النسخ واللصق، أمية الأخلاق والضمير، فلص الأفكار أميٌ جاهل يجهل فن البحث والكتابة، أميٌ بحاجةٍ إلى دورةٍ في محوِ الأميةِ الفكرية وتزويده بجرعةٍ أخلاقية. وعلى أصحاب القرار إنزالِ أشد العقوبات بمرتكب هذه الجريمة للحد منها وللحفاظ على جهد الآخرين ونتاجهم الفكري.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

سيحظى هواة الألعاب الإلكترونية في المنطقة العربية بفرصة لتجربة لعب آخر جزء من سلسلة "فار كراي" الشهيرة باللغة العربية (في القوائم وترجمة الحوارات)، التي تأجل طرحها حتى العاشر من أبريل/نيسان.

الأكثر قراءة