هل آن آون الحَجْر السياسي على محمود عباس؟

في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017م، أطل علينا ما سمي باتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، وذلك في القاهرة وبحضور مدير المخابرات العامة المصرية آنذاك خالد فوزي. وقتها كتبتُ مقالة بعنوان "المصالحة الفلسطينية.. ما قيل ومال لم يُقَل". تحدثتُ فيها عن الشروط الواجبة في الطرفين كي تنجح المصالحة، وخلصت إلى أنها مصالحة لن تكون، ولا يمكن أن تحدث وفق المعطيات المتاحة، وأن حالها كحال ما سبقها من محاولات.

وقلت أن أهم وأكبر الملفات المعلقة هو الملف الأمني وسلاح المقاومة، وهو الذي تسبب وسيبقى يسبب إشكالاً كبيراً بين الطرفين ما لم يتنازل أحدهما؛ "حماس" تتنازل عن فكر المقاومة وتُسلِّم سلاحها، أو السلطة تتنازل عن الارتماء في حضن الاحتلال الإسرائيلي، وقد بدا هذا الاختلاف ظاهراً في تصريحات الطرفين؛ حيث كان عباس واضحاً تمام الوضوح في ما يتعلق بضرورة تسليم "حماس" سلاحها، وإلغاء كل ما له علاقة بالمقاومة من قريب أو بعيد.

 

بينما مالت تصريحات قادة "حماس" للدبلوماسية والعمومية ومحاولة مسك العصا من الوسط، وادعاء أن اتفاق المصالحة يتحدث عن سلاحين؛ السلاح الأمني وهذا سيتم تسليمه للسلطة، وسلاح المقاومة وهذا لن يمسه أحد، والحقيقة أنها كانت تصريحات للاستهلاك لا أكثر، وهو ما كشفته الأيام التالية.

ومنذ أيام، وتحديداً الثلاثاء 13 مارس/آذار الماضي، حدثت محاولة اغتيال فاشلة لرئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله بعد ثوانٍ من دخوله مدينة غزة حيث كان في زيارة لها، وكان برفقته رئيس جهاز المخابرات العامة في السلطة اللواء ماجد فرج. وتوقعت وقتها أن مدبر هذه المحاولة أحد اثنين: مجموعة منفلتة ضالة من المجموعات المنتشرة تحت مسميات مختلفة والتي تمتاز بضيق الأفق ولا تعي ما تفعل ولا أهداف لها حقيقية؛ وأبرزها كيانات إسلامية توصف بالمتطرفة والمعارضة لـ"حماس" وتنشط في غزة، والتي كانت مسؤولة عن هجمات سابقة لعل آخرها اغتيال أحد قياديي كتائب "القسام" مازن فقها، ومحاولة اغتيال اللواء توفيق أبو نعيم مدير عام قوى الأمن الداخلي في قطاع غزة.

كلمة الحمدالله بدت وكأنها مجهزة من قبل؛ إذ كانت كلمة منمقة وهادئة، على الرغم من أنها تصدر من قِبل شخص من المفروض أنه مازال تحت صدمة محاولة اغتيال!

أما المدبر الثاني الذي توقعته فهو السلطة الفلسطينية ذاتها؛ إذ كما يقولون: إذا أردت أن تعرف الفاعل فابحث عن المستفيد، والحقيقة أن السلطة هي المستفيد الأكبر من إثارة القلاقل الأمنية في غزة؛خصوصاً مع محاولة بحجم محاولة اغتيال شخص بقيمة رئيس وزراء السلطة، وذلك لإثبات عدم قدرة "حماس" على السيطرة على الوضع الأمني في غزة، وبالتالي عليها تسليم السلطة لمن يستطيع السيطرة عليها، وهي السلطة في رام الله. 

أما"حماس" فليس من مصلحتها حدوث ذلك فقط؛ بل إن حدثاً كهذا يضر جدًّا بها، ويشكك في قدرتها على ضبط الأمور. ثم سرعان ما تيقنتُ أن المدبر هو من طرف السلطة حين لم يُكذِّب الحمدالله الخبرَ وسارع وهو في أوج خروجه سالماً من هذه المحاولة إلى دعوة "حماس" إلى تمكين السلطة من غزة، وقال ما نصه: "نطالب" حماس" بالتمكين الكامل والفاعل للحكومة لاسيما الجباية والأمن والقضاء".

والحقيقة أن كلمة الحمد الله بدت وكأنها مجهزة من قبل؛ إذ كانت كلمة منمقة وهادئة، على الرغم من أنها تصدر من قِبل شخص من المفروض أنه مازال تحت صدمة محاولة اغتيال! ثم يوم الإثنين 19 مارس/آذار الماضي فاجأنا رئيس السلطة محمود عباس بخطاب عجيب غريب؛ تحدثت فيه في كل اتجاه أو "شروي غروي" كما يقال في اللهجة العامية ببلاد الشام.

في هذا الخطاب غير المتسق وغير المترابط هاجم عباس أطرافاً عدة غير مرتبطة ببعضها وبطريقة غير مبررة؛ فهاجم "حماس" هجوماً عنيفاً وبألفاظ غريبة يعفُّ اللسان عن ذكرها، وقال مما قال: "بعدما تحملتُ ما تحملتُ في طريق المصالحة مع "حماس" قررت اتخاذ الإجراءات الوطنية والمالية والقانونية ضد غزة من أجل المحافظة على المشروع الوطني"!، ووصف محاولة اغتيال الحمدالله وفرج بأنه "عمل آثم وحقير قامت به حركة حماس"، معتبراً أن "نتيجة مباحثات المصالحة مع "حماس" هي محاولة اغتيال الحمدالله وفرج، وأردف: "الإسلام بريء من حركة "حماس" وقادتها"، وأن محاولة الاغتيال "تلتقي مع الأهداف المشبوهة لتدمير المشروع الوطني بعزل غزة عن الضفة الغربية، لإقامة دولة مشبوهة في القطاع"، وتحدث عباس كذلك عن الأنفاق في غزة، والصواريخ، وحكومة فوق الأرض وحكومة تحت الأرض.

ولم يتوقف عباس عند ذلك؛ بل تعرض للسفير الأمريكي في تل أبيب ديفيد فرديمان معتبراً أنه "مستوطنٌ يعيش هو وأسرته في مستوطنة"، واصفاً إياه بأنه "ابن كلب"، في سابقة هي الأولى من نوعها التي يتحدث فيها بهذه الطريقة؛ ما يؤكد أنه لم يكن بحالته الطبيعية، وكان تحت تأثير أحد خيارات ثلاثة: خلل عقلي، خَرَف، إفراط في الشرب. وجاء رد "حماس" عبر بيان صدر مساء ذات يوم تصريحات عباس الإثنين19 مارس/آذار، وقد جاء البيان منضبطاً وذكيًّا، وهي المرة الأولى منذ مدة ليست بالقصيرة تُفلح "حماس" في الرد بعد سلسلة من تصريحات سابقة غير موفقة من طرف قيادات الحركة.

وقد نددت "حماس" في بيانها بشدة بتصريحات عباس، معتبرة إياها "محاولة لتقويض فرص النهوض بالمشروع الوطني وتحقيق الوحدة وتعزيز فصل الضفة عن غزة والذي يمهد لتنفيذ مخطط الفوضى"، ومطالبة "كل الجهات الإقليمية والدولية وجامعة الدول العربية بالتدخل العاجل والمسؤول لوقف هذا التدهور الخطير وتحمل مسؤولياتهم في منع وقوع الكارثة على المستوى الوطني الفلسطيني الداخلي والمترتب على سياسة عباس وقراراته بحق غزة وأهلها".



وأرى أن أهم ما في رد "حماس" يتركز في
:
* أوضحت "حماس" أن تصريحات عباس تلك تعتبر "خروجاً على اتفاقيات المصالحة، وتجاوزاً للدور المصري"، والوسيط المصري هو راعي المصالحة وعرَّابها، و"حماس" بهذا التصريح تضع عباس في مواجهة مع مصر، وتُحيله إلى حارة مسدودة لن يجد منها مخرجاً.

* قيام "حماس" بخطوة استباقية عبر دعوة الشعب الفلسطيني إلى الذهاب "لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومجلس وطني؛ كي ينتخب الشعب قيادته ومن هم أهل لتحقيق الوحدة وتحمل المسؤولية ورعاية مصالحه". و"حماس" بهذه الدعوة تتقدم على عباس والسلطة و"فتح" بخطوة وربما بخطوات؛ فإجراء الانتخابات أحد نقاط اتفاق المصالحة الذي رعته مصر، وهي بذلك تضع عباس ثانية في مواجهة مع مصر من جهة، ومن جهة أخرى تضعه في مأزق يخشاه هو شخصيًّا وهو منافسة "حماس" منافسة حرة نزيهة عبر صناديق الانتخابات تضعه في منافسة وهو يعلم جيداً أن آخر انتخابات تشريعية حرة جرت كانت مطلع 2006م، وكانت نتيجتها نصراً مؤزراً لـ "حماس" ووبالاً عليه وعلى من معه؛ لذلك هو يتفادى ذلك قدر ما يستطيع.

بقي أن أشير إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي الربط بين تصريحات عباس وما يثار من حديث عن "صفقة القرن". كلنا يعلم أن حديثاً يدور منذ فترة عما سمي بـ"صفقة القرن"، وما أشيع من أن ضغوطات شديدة تتمم على عباس وعلى الملك عبد الله ملك الأردن خصوصاً للموافقة عليها. وصفقة القرن -بحسب موقع ميديل إيست آي البريطاني- هي اتفاق وضعته الولايات المتحدة ورئيسها ترمب للسلام بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، ويتضمن النقاط التالية:

عباس بعد تصريحاته تلك قد أثبت أنه يعاني من خلل سياسي عقلي أو أنه قد وصل إلى حالة الخرف السياسي، وفي الحالين يستحق أن يتم الحجر عليه حجراً سياسيًّا منعاً من أن تتفاقم حالته

1- إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، وب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.
2- توفير الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.
3- تأجيل الحديث في وضع القدس وقضية عودة اللاجئين.
4- التفاوض حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وقد أشارت "حماس" إلى صفقة القرن في بيانها ردًّا على تصريحات عباس حين اعتبر البيان تصريحات عباس "محاولة لتقويض فرص النهوض بالمشروع الوطني وتحقيق الوحدة وتعزيز فصل الضفة عن غزة والذي يمهد لتنفيذ مخطط الفوضى الذي يمكن من خلاله تمرير صفقة القرن ومخططات ترمب ومشاريع الاحتلال الصهيوني".

وهنا يكون التساؤل: هل كانت تصريحات عباس تلك إيذاناً بإذعانه لصفقة القرن، وموافقته عليها؛ وبالتالي كان عليه قطع أية وشيجة مع "حماس" ومهاجمتها بلا هوادة، وتشديد الحصار على غزة، وزيادة الضغوطات عليها؛ تمهيداً لمشاركة عباس مع عدة أطراف أولها إسرائيل والولايات المتحدة وأطراف عربية في حرب على "حماس" حتى تُذعن هي الأخرى للصفقة أو تتم إبادتها واستئصالها؟ هذا سؤال ستكشف الأيام كواليسه، وستجيب عنه الأحداث القادمة؛ بيد أننا لا يمكننا هنا استبعاد فرضية ارتباط تصريحات عباس بصفقة القرن.

 

أيًّا ما يكون الأمر من أسباب تصريحات عباس وخلفياتها؛ فإن هذه التصريحات تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن محمود عباس قد وصل إلى مرحلة لم يعد يوجد بعدها ما يليها، وأنه وصل من خلالها إلى أقصى ما يمكن وصوله من عجب وغرابة وعدم فهم.

إن "الحَجْر" أمر معروف، ويعني منع الشخص من التصرف بسبب خلل في قواه العقلية بأنواعها أو لعدم امتلاكه لأهلية الأداء أو لبلوغه حالة الخَرَف، وأرى أن عباس بعد تصريحاته تلك قد أثبت أنه يعاني من خلل سياسي عقلي أو أنه قد وصل إلى حالة الخرف السياسي، وفي الحالين يستحق أن يتم الحجر عليه حجراً سياسيًّا منعاً من أن تتفاقم حالته، ويجرنا جميعاً إلى ويلات أكبر مما جرنا إليها حتى الآن، وأكثر مما تعانيه بلادنا ومنطقتنا من ويلات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

استهل وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة زيارته الرسمية للأراضي الفلسطينية بزيارة المسجد الأقصى المبارك، وسينتقل إلى رام الله حيث يلتقي نظيره الفلسطيني رياض المالكي، ثم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

الأكثر قراءة