مائة عام على كارثة الإنفلونزا

تستذكر البشرية هذا العام الذكرى المئوية لواحدة من أعتى كوارث الأمراض الوبائية فتكاً في التاريخ: كارثة وباء الإنفلونزا سنة 1918 التي تسببت بموت حوالي خمسين إلى مائة مليون إنسان حول العالم. يعزو العلماء إلى أن هناك عدة أسباب أدت لهذه الخسارة الفظيعة. السبب الأول: أن معظم الناس لم يكن لديهم وقاية مناعية ضد السلالة الجديدة التي طرأت آنذاك. ثانياً: كان ذلك الفيروس بالخصوص مميت بشكل غير معتاد. ثالثاً: الزحمة مع تدهور الصرف الصحي سمحا بتفشي المرض وانتقاله بين الناس بشكل مهول خصوصاً في المناطق التي يكون تدخل العناية الصحية فيها محدود. وأخيراً، أدوية لقاحات الإنفلونزا ظلت حبيسة الأفكار لعقود حتى تم صناعة البعض منها لاحقا.

 

على مدار القرن الماضي تقدم العلم في مجالات كثيرة، لكن لا زلنا ليس لدينا آليات وقاية فعالة وغير مستعدين لهجوم جرثومي لا مفر منه فيروس الإنفلونزا الذي دفعنا ضريبته قبل قرن من الآن ولما نجد له أي علاج بعد. ومما يثير العجب، أن الإنفلونزا الموسمية الشائعة لا تزال وحتى عام كتابة هذه المدونة تقتل من 12-56 ألف شخص سنوياً في الولايات المتحدة لوحدها ذات الطب المتطور جدا نتيجة تطور الفيروس الموسمي باستمرار كما يرجح بعض الخبراء. ومع أننا نطور اللقاحات بشكل دوري، إلا أن فعاليتها إلى الآن لا تتجاوز 40-60 ٪، كما أن اللقاحات الموسمية قد توفر نزر يسير من الوقاية ضد وباء الإنفلونزا وقد لا توفر أحيانا. إن وباء الإنفلونزا عادة يظهر نتيجة تحولات جينية، والتي يكتسبها الفيروس الجديد عادةً من فيروسات إنفلونزا الحيوانات، حيث يحدث ذلك طفرة في جين واحد أو أكثر -كما حدث في سنة 1918 حيث حصلت طفرة في جميع جينات الوباء الفيروسي الثمانية-.

 

من بين العديد من العقبات في طريق تطوير لقاح عالمي، هناك معضلة كبيرة تتمثل في عدم فهمنا الكافي لماهية الاستجابة المناعية التي تقي الناس من الإنفلونزا وخاصةً الدور المناعي المهم للأسطح المخاطية

في الأعوام التي تلت 1918 وحتى يومنا هذا، كان هنالك ثلاثة أوبئة إنفلونزية مرتبطة بحدوث طفرات جينية: في سنة 1957، 1968 و2009، وفي كل واحدة من هذه الحالات، تفشى الفيروس الجديد جراء حدوث مزج بين جينات فيروس إنفلونزا الحيوانات مع تلك المنحدرة من سلالة فيروس 1918 التي لاتزال منتشرة في أوساط البشر، وهذا يعني أن غالبية البشر لديهم في أفضل الأحوال نقص في المناعة.

 

يتوجب علينا من أجل أن نعالج هذه المشكلة، مداركة فيروسات الإنفلونزا قبل تفشيها كوباء خاصة تلك التي يحتمل أن تسبب أوبئة لكن لم تشرع بذلك بعد. من الجدير بالذكر، أن عدوى إنفلونزا الطيور التي لحقت بالبشر زادت باضطراد على مدار العقدين الماضيين. كما إن القدرة الاستثنائية لفيروسات الإنفلونزا على تقبل الطفرات الوراثية أو الجينية واجتياز دفاعات المناعة البشرية، تجعلنا عرضة لكوارث صحية قد تكون شبيهة بوباء عام 1918. من أجل احتواء تحدي الصحة العالمية هذا، يعمل الخبراء على تطوير "لقاح انفلونزا عالمي" ذو تطعيمات جديدة من شأنها توفير حماية ليس ضد تغير فيروسات الانفلونزا الموسمية فحسب بل ضد الفيروسات الوبائية العنيدة والتي يتنبأ الخبراء أنها ستطرأ مستقبلا.

 

حديثاً، عقدت المؤسسة الوطنية لأمراض الحساسية والعدوى NIAID في مقرها في ولاية ميريلاندد في الولايات المتحدة، ورشة عمل مع كبار الخبراء في مجال الإنفلونزا من أجل تحديد المتطلبات لأفضل لقاحات. خرج الخبراء باستنتاجات عدة أبرزها أن من بين العديد من العقبات في طريق تطوير لقاح عالمي، هناك معضلة كبيرة تتمثل في عدم فهمنا الكافي لماهية الاستجابة المناعية التي تقي الناس من الإنفلونزا وخاصةً الدور المناعي المهم للأسطح المخاطية.

     

  

أحد الطرق المزمع استخدامها هو تصميم لقاح لتوليد استجابات الأجسام المضادة لبعض من الأجزاء الشائعة في سلالات فيروس الأنفلونزا وخاصة تلك الأجزاء صعبة التأثر بالطفرات الوراثية. من الضروري أيضا توضيح كيفية تناغم نظام المناعة مع الأجسام المضادة وتعزيزها للوقاية من الإنفلونزا. مما لا شك فيه أن العقبات في تطوير هكذا لقاحات شاقة ومجهدة، لكننا متفائلون بأننا سوف نوجد أدوات وخطط عمل إبداعية للتغلب على هذا التحدي.

 
يظهر ذلك عجز أمهر وأفضل العلماء في مجابهة جرثومة صغيرة لا ترى بالعين المجردة طيلة قرن كامل، في الوقت الذي يترنم بعض شبابنا هذه الأيام إن العلم اليوم قادر على فعل كل شيء وعلاج كل الأمراض. إنهم أولئك المنبهرين بقدرة الغرب والمتهمين الإسلام بهتانا وزورا بتخلف الأمة ولا يعلموا أن علماء الطب المسلمين لهم فضل كبير حتى يومنا هذا، إذ أن النظام الصحي البريطاني على سبيل المثال يضم أكثر من 3 آلاف طبيب مسلم. وغالباً ما تجدهم هم أنفسهم أبعد الناس وأجهلهم في العلوم العلمية والإنسانية على حد سواء. يكفي أن نذكرهم إلى أن هنالك أكثر من سبعة آلاف مرض ناهيك عن الإنفلونزا لم يجد العلماء أي علاج أو لقاح لأي منها حتى يومنا هذا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة