ليست إلا مغالطات..

بمناسبة عيد زواجي السادس، تلقيتُ اتصالا من والدتي كالعادة مع الخامسة مساء مثل كل سنة، فأمي لا تنسى معايدتي وتمني السعادة لي، كما أنها لا تنسى تلك النصائح التي حفظتها عن ظهر قلب، التي لا أنكر أنني مللتها ولكن لا مجال لمناقشة أمي في هذا الموضوع. نصائح رَددتْهَا أمي، أختي، قريباتي وأغلب صديقاتي بعد زواجي، وتصر أمي على تذكيري بها متى أتاحت لها الفرصة، تعلم أنني لم أصب بعد بفقدان الذاكرة، لكنها تؤمن بأهمية التذكير، أليس في الإعادة إفادة؟

 
لا تتنازلي على مرتبكِ لزوجكِ، حافظي على أموالكِ، لا تتنازلي كثيرًا، لا تفرطي بأموالك بدون ضماناتٍ تحميكِ، لا تبيعي ذهبكِ، لا تكوني غبية، لا تكوني مثل سارة ابنة خالك، لقد طلقها زوجها بعدما أكملت بناء المنزل، تركها برفقة القروض وطفليها، فلتكن لك في سارة عبرة وو..، بعد هذه النصائح التي تراها مهمه ومفيدة لاستمرارية زواجي وللحفاظ على أموالي حسب ظنها. أمي كأغلبية النساء ترى أنّه لا ثقة في الرجال، المرأة عليها المحافظة على مرتبِها، ذهبِها واستقلاليتِها المادية ودائما تردد المثل الشعبي بمعنى لا أمان مع الرجال.
 
معظم النساء حتى تلك المرأة التي تتفاخر بزوجها في كل مناسبة وتعبر عن سعادتها وظفرها بأروع زوج في العالم، تعترض على مساعدة المرأة لزوجِها بدون ضمانات حسب قولها. فالمرأة التي تساعد زوجها هي زوجة غبية لا أكثر، وأنّه سوف يتركها يوما ما لا محالة ولو بعد عشرين سنة حسب رأيهن، فالزمن يتغير ولا ثقة في الرجال. كم من امرأة صبرت وضحت مع زوجها وبعد ذلك تخلى عنها بكل قسوة، وتزوج من تصغرها سنّا.
   

نجاح الزواج لا يحتاج إلى خطة تكتكية بائسة من طرف الزوجة للمحافظة على أموالها، لا يحتاج إلى الكثير من الأموال، لا يحتاج إلى الكثير من الأطفال لكي يستمر كما يعتقد البعض

قبل الزواج، لقد كانت نصائح والدتي مختلفة تماما. بعد تخرجي أخبرتني أنه عليّا التفكير بجدية في عروض الزواج، فالقطار لا ينتظر أحدًا، فليذهب القطار للجحيم، فما الفائدة من امتطاء قطار لا أعرف وجهته؟ لم أكن أكترثُ كثيرا لتلك النصائح، لكن أمي، خالتي، جارتي وصديقتي لا يُشاطرنّني الرأي، الزواج أهم بكثير من الدراسة والعمل حسب رأيهن. كنت حقا سعيدة عند تخرجي، عند حصولي على رخصة سياقة، عند حصولي على عمل، عند ترقيتيي في الشغل، كذلك عندما سافرت خارج البلاد، لكن أمي كانت تعتقد أنّني أتظاهر بالسعادة، وأنّ السعادة الحقيقة هي زواجي، سارة تزوجت قبلك، سارة سعيدة، كوني ذكية، كوني كسارة، سارة شطورة، هذه الأغنية المزعجة التي مللت سماعها من أمي قبل زواجي، كنتُ أجيبها دائما أنا لست سارة، ولن أكون مثلها، لكل منّا أهدافها وأحلامها الخاصة.
 
لا أعلم لماذا اختلف شعارها بعد زواجي، فأمي التي كانت تردد أنّ الزواج أمان، بعد زواجي أصبحت تخبرنني أنّه لا أمان مع الرجال، لا أعلم سبب هذا التناقض كما أجهل لليوم كل تلك المطالب المجحفة عند التحضيرات للزواج. أستغرب للآن كل ذلك التفنن في ابتكار كل تلك العادات والتقاليد التي كلفت زوجي الكثير من الأموال. ليتهم يقتنعون أنّ المحلات لن تغلق بعد ذلك الزواج الأسطوري، ليتهم يعلمون أنّ الزواج ليس بصفقة تجارية. ففي أول خلاف روتيني لن يشفع للزوجة الذهب، لا الحفل الملكي، لا الأواني الكريستال ولا أموالها، فالتفاهم لا يشترى، الصبر لا يشترى، الاحتواء لا يشترى، الاهتمام لا يشترى والاعتذار لا يشترى أيضا.
 
هذا ما روته لي تلك الجميلة عندما تبادلنا الحوار حول زواجها، فعندما سألتها هل تعرف أمك أنك لا توافقيها الرأي؟ عليك تغيير السؤال أولاً؟ استغربتُ سؤالها لكنّها سرعان ما أردفت ضاحكة: ماذا لو عرفت أمي أنّني أشبه سارة قليلا، ماذا لو عرفت أنّ ابنتها زوجة غبية حسب تفكيرها لكنني سعيدة، ماذا لو عرفت أنّني ساعدت خطيبي قبل الزواج، ماذا لو عرفت أنّ ذلك الذهب الذي تباهت به، ذلك الذهب الذي لا تريدني أن أبيعه، ليس إلا تقليدا، ولوا عاد بي الزمن لساعدت خطيبي كما فعلت سابقا. الزواج لا يستحق الكثير من الذهب بل الكثير من الحب والكثير الكثير من الاحترام والثقة.
 
نجاح الزواج لا يحتاج إلى خطة تكتكية بائسة من طرف الزوجة للمحافظة على أموالها، لا يحتاج إلى الكثير من الأموال، لا يحتاج إلى الكثير من الأطفال لكي يستمر كما يعتقد البعض، بل يحتاج إلى احترام متبادل أولا لأنّ الحب وحده لا يكفي، يحتاج إلى نضج ووعي، يحتاج إلى تضحية من الطرفين، إلى التنازل أحيانا، يحتاج إلى إتقان فن الاعتذار، يحتاج إلى ثقة متبادلة، هكذا ختمت كلامها بابتسامة واثقة، كان خطابها يعكس صورة واقع نعيشه وذلك التناقض الصارخ قبل وبعد الزواج.

 

 

عزيزتي لا تتزوجي فقط إرضاء للمجتمع وخوفا من العنوسة، فكم من عانس سعيدة وكم من متزوجة تعيسة. لا تستمعي كثيرا لمن تعتبرك ناقصة قبل زواجك رغم نجاحك، بعد ذلك تخبرك أنّ زواجك في خطر لأنّ الرجال يتغيرون كثيرا، تناقض صارخ سيتعبك كثيرا إذا اتبعته، فلا تسمحي لهم ببعثرتك ولا تهتمي كثيرا لتلك الضجة حولك، لا يهم متى ستتزوجين، بل من ستتزوجين، الزواج هو حسن اختيار لا أكثر، فأحسني الاختيار. عزيزتي مثيلات سارة كثيرات في يومنا هذا، فكم من زوجة كانت رمزا للعطاء والحب لكنها خذلت من زوج لا يستحقها، خذلت بطريقة مؤلمة حد البكاء.
 
لكن ألا ترين أنه من الغباء أن تعيشي مخاوف وشكوك قاتلة بسبب تجارب الأخريات، أليس ضربا من الجنون أن تحاسبي زوجك بسبب أخطاء رجل أخر فشل أن يكون زوج جيد؟ فأنت لست سارة، زوجك ليس زوجها، وتجربتك تختلف عن تجربتها كثيرا كاختلافكما الجيني، فلا تجعلي الشكوك تعميك، تعكر استقرار حياتك، لا تعيشي كابوس سارة ولا تجعلي زواجك ينهار ويكون ضحية زوج سارة، لا تجعلي الشك يقين، أمثال زوج سارة كثيرون ولكن متى توقفنا عن التعميم؟ خوضي تجربتك الخاصة ولا تجارب الأخريات، بفكرك أنت ولا بسوء ظن الأخريات.
 
بالله عليكم، متى توقفنا عن نشر المغالطات، فمن تأخر زواجها ليست تعيسة، من تساعد زوجها ليست غبية، والمطلقة ليست مسكينة، المسكين من يقحم نفسه في شؤون الأخرين ويراهم أغبياء ومساكين. أريدكِ يا جميلة أن تكوني قائدة الرحلة، أريدك أن تكوني صاحبة القرار، فلا تتزوجي فقط لإرضائهن، لا تتبعي قوانينهن، لا تستمري في زواج يؤذيك فقط خوفا من أراءهن، لا تكوني سجينة أفكار بائسة. فقط أريدك أن تفعلي ما يريحك، أن تتزوجي من تريدين، أن تعيشي تجربتك كما تريدين فقط، أن تكوني سعيدة وحافظي على تلك السعادة، فالسعادة قرار. لا تستمعي كثيرا لكلام الناس، وأعلمي أنّ أراءهم تبقى وجهات نظر لا حقيقة قد تصيب وقد تخطأ وأحيانا ليست إلا مغالطات، فلا تكوني سجينة مغالطاتهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بين الفينة والأخرى تستنجد سيدات سعوديات بمواقع التواصل الاجتماعي لحض الرجال على الزواج بأكثر من امرأة، وقد أعدن مؤخرا إطلاق حملة تحت وسم #نطالب_بالتعدد_يكون_إجباري.

رفضت محكمة مغربية الاعتراف بعقد زواج أبرم بإسرائيل ورفضت تذييله، أي إضفاء الصبغة التنفيذية عليه، وعللت ذلك بعدم اعتراف المغرب قانونيا بإسرائيل، مما يقتضي عدم اختصاص محاكمها بعقود المغاربة المسلمين.

الأكثر قراءة