فلسطينيو العراق.. من يسمع صوتهم؟

كثيرة هي التقارير التي صدرت حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في العراق بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 من المؤسسات الأممية أو من المؤسسات الدولية الحقوقية وكلها تتحدث عما يتعرض له اللاجئون الفلسطينيون من اضطهاد وضغط وتهديد بشكل ممنهج حتى أصبحت ممارسة يومية، وللأسف لا يوجد من يسمع صوتهم أو يهتم لأمرهم وسط ما يحصل في المنطقة من ضجيج ولعل آخر تقرير صدر عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كان في شهر مايو من العام الماضي والذي تحدث فيه عن التهديدات التي يعيشها اللاجئون في العراق.
 
قبل الاحتلال الأمريكي للعراق كان عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه يقارب الخمسة والثلاثون ألفا، وبدأ العدد بالانخفاض حتى وصل اليوم إلى ما يقرب من أربعة آلاف نسمة فقط كنتيجة للاستهداف الحاصل لهم سواء من الأجهزة الحكومية أو من المليشيات الطائفية التي تتحكم بمفاصل البلد الأمنية، وأكاد أجزم لو أن العوائل الفلسطينية المتبقية قادرة أن تجد لها مأوى آمن في أي دولة في العالم لخرجوا فورا دون تردد، إلا من له ارتباط اضطراري كقضية قانونية مثلا والتي تجعله مضطرا للبقاء لأجل متابعتها، وهنا سأحاول التركيز على هذا العنوان .
 

أثناء سير التحقيق والتعذيب هناك عملية أخرى تسير معهما وبشكل موازي، وهي عملية الابتزاز المالي، فالمساومات تبدأ مثلا في السماح بالاتصال بالأهل لأجل طمأنتهم مقابل ما قيمته 100 دولار للدقيقة الواحدة

يوجد في السجون العراقية قرابة أربعون فلسطينيا وجلهم الآن أدين ظلما بجرائم تتعلق بالإرهاب ومحكوم بالإعدام أو بأحكام عالية، وللأسف لا يوجد في العراق من يستطيع أن يتابع شفافية ومصداقية التحقيق أو المحاكم التي أصدرت الأحكام بحقهم، فالبداية من الاعتقال بالشبهة والزج في المعتقلات التي بدخولها يبدأ مسلسل التلفيق والتعذيب والابتزاز، ولا يوجد من لا يعرف هذه الحقيقة في العراق، فالتهمة جاهزة وهي الإرهاب سواء بالتنفيذ أو الدعم، وهو ما سيسمح بممارسة كل ما هو خارج القانون، ويبدأ معها طبعا التعذيب بأبشع الأساليب من قلع الأظافر والتعليق وكسر الأطراف والحرق والثقب وغيرها من الأساليب التي يسمع عنها ويعرفها كل من يعيش في العراق، ولعل أصعب ما يمر على المتهمين هو التهديد باعتقال الأعراض من الأخوات أو الزوجات أو الأمهات وهو ما يحصل عادة عند صمود المتهم وعدم الموافقة على ما ينسب له من اتهامات.
 

بعد الجولة الأولى من التحقيق يتم العرض على المحكمة لأجل الإدلاء بالاعترافات أمام القاضي ليتم إصدار الحكم على المتهم، أحيانا يكون المتهم ذو شكيمة عالية وشجاعة فيقول للقاضي بأنه قد تم أخذ الاعترافات تحت التعذيب، فيقوم القاضي (وتحقيقا للعدالة) بإعادته إلى المعتقل ليتم التحقيق معه مرة ثانية باعتبار أنه اعترف تحت التعذيب وهذه الاعترافات لا يعتد بها، وفي الغالب فإن الجهة التي حققت معه أول مرة هي نفسها التي ستحقق معه مرة ثانية ومن الطبيعي أن يكون حجم التعذيب مضاعفا لأجل انتزاع الاعترافات، ورغم علم القضاة بهذا الأمر إلا أنهم ماضون في تحقيق العدالة الشكلية في كونه أعاد المتهم للتحقيق بعد أن قال بأنه تعرض للتعذيب.
 
وبعد جولة ثانية من التحقيق والتي في حقيقتها جولة ثانية من التعذيب، ولكن هذه المرة بأساليب أشد من المرة الأولى وأعنف، يتم عرضه مرة ثانية على نفس القاضي ويسأله، هل تقر بما منسوب لك من تهم؟ وبعد الجولة الثانية من التعذيب أو من التهديد باعتقال الأعراض لن يكون أمام المتهم إلا أن يقول للقاضي بأنه نفذ وخطط وقتل وفجر بل إن غالبهم ومن شدة التعذيب يعطي توقيعه على ورقة بيضاء للمحقق ويطلب منه أن يضع ما يريد من تهم، حتى ينتهي التعذيب.

 
 

 

أثناء سير التحقيق والتعذيب هناك عملية أخرى تسير معهما وبشكل موازي، وهي عملية الابتزاز المالي، فالمساومات تبدأ مثلا في السماح بالاتصال بالأهل لأجل طمأنتهم مقابل ما قيمته 100 دولار للدقيقة الواحدة، أو السماح بإدخال ملابس جديدة بدل الممزقة، أو السماح بالاطلاع على سير التحقيق لأجل الموافقة على قيمة المبلغ المطلوب دفعه للمحققين لأجل تغيير الاعترافات المأخوذة أصلا تحت التعذيب، أو ممكن أن يكون الدفع لأجل تحويله لقاضي معروف عنه التساهل (التساهل في التعامل المالي)، أو محقق تعذيبه خفيف، أو معتقل تتحقق فيه بعضا من شروط الأدمية، في الغالب تكون قيمة المبلغ المطلوب تبعا لحجم الاعترافات المنسوبة له وحجم الصمود المتحقق لدى المتهم في قبول ما منسوب له من تهم. التباين الحاصل في حجم الاعترافات ومستواها سببه أن المعتقلين كثر والمحققين لديهم فرص كثيرة ولا يريدون تضييعها مع شخص واحد قد يصمد، فربما شخص آخر يحقق المطلوب ويعترف أو يدفع ما مطلوب منه بعناء أقل.

 

الخطوة التالية هي إصدار الحكم، وهي تعتبر مكسب آني بالنسبة للمتهم، لأنها تعني توقف التعذيب ونقله للسجون لينتظر قدره بدل أن يبقى في المعتقلات قيد التحقيق والتعذيب الوحشي. هذا لا يعني عدم وجود حالات حقيقية ومذنبون حقيقيون، ولكن حتى المذنب من حقه محاكمة عادلة وشفافة دون أن يكون هناك تعذيب وتهديد.

 

الأزمة عميقة في العراق في ظل غياب جهات دولية تراقب الالتزام بالقوانين وتؤمن شفافية التحقيق وتضمن تحقيق العدالة، ومع ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون ممن ألقي بهم في السجون بعد أن تم تعذيبهم وأقروا بما لم يفعلوا وتم إصدار الأحكام بحقهم ظلما، فمن يستطيع أن يتدخل لأجل فتح ملفات هؤلاء المتهمين ومن يستطيع أن يعيد المحاكمات شرط أن تكون بوجود طرف ثالث يضمن الشفافية وعدم التعذيب، فإعادة المحكمة دون طرف ثالث دولي لا يعني أي تقدم في هذه القضية بل سيزيد من معاناتهم وسيضرهم بدل أن ينفعهم .ملف برسم الفتح أمام المسؤولين الأمميين والدوليين والفلسطينيين لأجل إنقاذ هذه المجموعة من البشر ممن لا ذنب إلا أنهم فلسطينيون يعيشون في العراق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يأتي الإقبال الشديد على قاعات معرض بغداد للكتاب في دورته الحالية 2018 تحت شعار "نقرأ.. لنرتقي"؛ تجسيدا للحضور الكبير للكتاب في حياة العراقيين، وصلتهم الوثيقة بالقراءة حتى في أشد أزماتهم.

تظاهر آلاف الأشخاص التابعين لحزب الله العراقي ببغداد معلنين رفضهم "التطبيع" مع السعودية التي حملوها مسؤولية "الإرهاب" الذي عاشه العراق وطالبوها بالتعويض كشرط للتطبيع.

الأكثر قراءة