على السادة القُراءِ سُرعة التوجه إلى سور الأزبكية!

لكلٍ مِنا كتابٌ معيَّنٌ أو كاتبّ معيَّنٌ نتوقُ دومًا لقراءةِ كتاباتِه، ولكلٍ مِنا صِنفٌ أو نَوعّ مُفضَّلّ مِن الكُتبِ التي تجذبُ اهتمامَنا، بينما في الواقعِ.. الكثيرُ مِنا يجهلُ أنواعَ الكتبِ المختلفةِ وصُنوفَها التي يكمنُ فيها غذاءُ الروحِ والعقلِ. نعم، توجهْ للتوِ إلى سورِ الأزبكية، لعله هناك موقع تأهيل جهادك الفكري ورصٌ جيد لبنيان قوام ساحات علمك، وعلى السادة الكُتَّاب وقف الإنتاجِ لانخفاضٍ مترقب في السوق المحلي!

خلال الخمس أعوام الماضية التي كنت أواظب على الذهاب بينهم إلى معرض الكتاب الذي يقام سنويًا في بلدنا للاقتناء منه إن لم أكن أقرأ ما أقوم باقتنائه كان ينتابني شيئًا لافتًا إن لم يكن ظاهرة ببُعدِها الحقيقي؛ حيث وجدت من صنوف الكتب صداهَا عندَ الجماهير – وإن شئت قل عند شباب الألفية الثالثة – ما يثير الدهشة؛ ليبدأ المعرض بتجهيزاته المعتادة وعلى صيحاته دعايا وترويجات معظم ديار النشر، والكتاب والموزعين لِوَحلٍ مِن الكتبِ الغثائيةِ والرواياتِ التي كثيرٌ ما هي، حتى باتت هي الأكثر شيوعا، فبينما لا تضاهيها أعمال التراث وكتب اللغة والعلوم الوظيفية، حتى إنك إن قلت لأحدهم: أين أجد كتاب الفوائد لابن القيم، أو تناولَ ابن عقيل لألفية ابن مالك لا تجد على لسانهم سوى: (توجه فورا إلى سور الأزبكية!).

إنك في الحقيقة لا تستطيع أن تُصنِفَ هذه الشاكلة من الكتب أو الروايات، فتصبح كلمة (المُصنف) على تلك الكتابات كلمةً ثقيلة؛ فإن وجدتها لن تجدها إلا أقرب للخيال البليغ أو الدراما الباهتة، ولربما تجد الرومانسيةَ فيها من نوعٍ جديد ليس بالرومانسية التي خُلقت لها مدارسُها، زيدٌ على ذلك أنه وإن أدركك مِن الغُموضِ والإثارةِ والمغامرةِ نصيبًا تجد بين يديك ما يحمل عنوانَ "اغتصاب تحت سقف"! لنجد الحاكم في ذلك هو تحسر أحدهم بعد قراءته لرواية ما أو كتاب ما، فلا يصبح على ملء فمه سوى (يا ليتني مت قبل هذا).

أصبحنا لا نقرأ إلا للترفيه، ولا نكتب إلا من أجل الهوى، الشهرة، وربما المال، كل ذلك بصنيعة تصنعها ديار النشر ويتبعهم الغاوون إلا مَن رحم ربه وهم قلائل

إنني إن أردت أن أتوجه لاقتناء شيءٍ من الكتب التراثية، أو لتناول شرحٍ من شروحِ البلاغة، أو الأصول ومُتنها وما نحوها كنت أتوجه إلى ذوي الأسماء العريقة من ديار النشر هناك وأسأل، بينما يكون الرد على النقيض تمامًا. على كلٍ فأنا أعطي لنفسي إذنَ الدخول، وأهِمُّ بالتحديق في تلك الأركان البعيدة من الصالة، أسلط تركيزي على الأرفف السفلية منها أيضًا.. ها، أليس هي التي جمَّتهَا الأتربة! بل، والله هي.

حسنًا، لحظة.. بكم هذا! ليأتيَّنيَ الردُ: (سبعة جنيهات)، مع العلم الشديد أن كل العوامل التي قد تشكك في الدار الناشرة أو الطبعة ووضوحها واقتصار الشرح وكل ذلك ليس موجودًا هنا وإن كان يظهر غالبًا في هذه الصنف من الكتب. ليتبقى لك أن تسألَ نفسكَ: كيف بارت السلع؟! يا عزيزي، كل هذا وإن دلَّ على شيء، فإنه لا يدل إلا على أننا أصبحنا لا نقرأ إلا للترفيه، ولا نكتب إلا من أجل الهوى، الشهرة، وربما المال، كل ذلك بصنيعة تصنعها ديار النشر ويتبعهم الغاوون إلا مَن رحم ربه وهم قلائل.

ديار النشر وكتب المحدثين في الطراز الديني:

ظهرت في الآونة الأخيرة طبقة جديدة من المحدثين الذين كانوا من الوسط السياسي الإعلامي الأزهري أو الوسط الإعلامي الديني. ربما نجد شيئًا ظاهرا وبالغا من احتفاء ديار النشر بهم، ولذلك فإنك إن أردت على سبيلِ المثال أن تقرأ في المواريث أو الأصول حقا، كان لزاما عليك ألا ترجع دون المؤلفات القديمة، لأن بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، فتفتح كتابًا لأحدِهم تجد أنه على المحمل السطحي، وإن كان هو أصلا يتناول مؤلفات المقدمين فإما أن يَحمل الشيء بلفظه أو قد يحرِّفه إلى عبارة طويلة وهي غثاء. عليك، عليك بالأمهات.. عليك بالأصل، ككتب السلف؛ فإنَّها خيرٌ وأبركُ بكثيرٍ من كتب الخلفِ. وقال القائل:

 

والأصل في ذاك أن تأخذ على رجل .. يفري بحنكته الشيء الذي صعبا 

أقول لك: إن من الكتب والكُتَّاب ما يُشوِّش عقلَ قانيهِ ولا يضيف لمخزونه، فاحذر من الكتب ما ليس فيها خيرا، ولا أقول التي فيها ضرر، فتلك الصنوف من الكتب التي يُقال أنها كتب أدبٍ وعلمٍ وتنميةٍ لا تُسمِنُ ولا تُغنِي من جوعٍ، بل أنها تقتل الوقت في غير فائدة، فاحرص على أن تكون مكتبتك غذاءا للروح كالطعام والشراب للبدن، فإذا تغذيت على هذه الكتب صار عليك ضررا عظيما واتجهت اتجاها آخر خلاف الذي ينبغي، لتعلم أن شرف القراءة معلوم لعموم نفعها، وشدة الحاجة إليها؛ كحاجة البدن للأنفاس وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر التحصيل منها، ومن أجل هذا فقط يشتد غرامك بها والاقتناء منها. وقال القائل:

ولِتجمع الكتبَ ولتختَر أحاسنَهَا … لا، لا تطع في شراء الكُتبِ مِن عتبا

موقف الجيل الناشئ من مطالعة كتب المتقدمين:

ربما يحيل بين شباب ألفيتنا الثالثة ومؤلفات المتقدمين كونها مجلدات تُملأ بها الأرففُ، وتعسر البيان فيها، وعدم توافر الشروح ومجرد الاعناء بها؛ مما يحجب عنهم مطالعة صنوف الكتب والمؤلفات؛ إن كان ذلك لغةً من الأدب، والبلاغة، والنحو والصرف، أو شرعًا من الفقه، والأصول، والمواريث وغيرهم؛ لإلزام ذلك بطرق الاستدلال المختلفة والمتعددة والتفقه في العلل والأحكام والغوص على أسرار المسائل لغةً أو شرعًا.

 

في حين هو يسلط ميوله على كتب المتأخرين التي هي غالِبُها قليلُ المعاني وكثيرُ المباني، ليقرأ القارئ صفحةً واحدةً يلخصُها في سطرٍ أو سطريْن مع التعريجِ، والمطابِ، والتغزيزاتِ في بعضِ الكلماتِ التي لا تُفهَم إلا بعدَ تكرارٍ، لكن كتبَ السلفِ رصينةٌ، هينةٌ وسهلةٌ، لا تجد كلمةً واحدةً ليس لها معنى.

 

لا تقرر الاستفادة من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك
 

ومع ذلك كله إن اراد أحدنا مختصرا منها لنفسه وكتب – كما يقولون – رءوس أقلام عنده في مذكرة، هذا لا بأس به؛ لأجل أن يتيسر له الرجوع إلى الأصل، ولكن لا يجوز لأحدٍ أن يتصرف في حذفِ منها ما لا يراه مفيدًا، فربما يكون غيره يراه مفيدًا، ولكن هذا هو الواقع في بعض الاختصارات التي بدأ بعض الناس في الآونة الأخيرة يختصرونها، لكن إذا صرح بأنه إنما ينقل المهم فقط هذا أهون.

هناك صِنفٌ آخر من الناس كنت أحسب نفسي منهم، يؤثرون الكتبَ على حاجاتِهم الشخصية وإن كانت هذه الحاجةُ ضروريةً، برغم أنهم لا يعرفون منها سوى اسم المؤلف والمضمون العام لمحمله، ليمضي بين يديه العام والعام وهو لم يقرأ منها؛ فبحسب زعمه أنه لا يملك رفاهية الوقت الذي انقضى بين يومه الجامعي! هذا صحيح، وهو حاصلٌ كثيرًا، يعني أنه إذا جاءه كتاب جديد لا يقرأه أو يتطلع إلى فهرسه إذا كان كبيرًا..

 

قلَّ أن تجد شخصًا مثلا، أو أن تمر بك الحال من حين يأتيك الكتاب تجعله في الرف، فلا تضع موطئًا لحاجتك لمراجعته، عرفت أنه يتضمن حكم المسألة التي تريد، فإنك لا تدري ما فيه من المسائل، والفوائد التي ستفوتك على أرففِك، إنك ما أن جعلته مع فنه في المكتبة فإنك بذلك قد حوَّلت وظيفة المكتبة إلى نيشٍ جميلٍ، ولربما مر الزمانُ وفات العمرُ دونَ النظرِ فيه، وهذا مُجرَّب.

وسط صنوف كتب الآونة الأخيرة:

لا تقرر الاستفادة من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك. إذا حزت كتابًا، فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جردًا أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه ثم بعد ذلك تدخله مكتبتك، فلا تحشر مكتبتك بالكثب الغثائية، ولا سيما كتب المبتدعة وصنوف الروايات التي لا تمُت لمدارسها في شيء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أظهرت النتائج الأولية للتعداد العام الثالث أن عدد الفلسطينيين داخل حدود 1967 بلغ أربعة ملايين و780 ألفا، إضافة إلى 1.5 مليون داخل الخط الأخضر، بزيادة مليون فلسطيني بالسنوات العشر الأخيرة.

الأكثر قراءة