التنمية البشرية.. عندما تتغذى على آلام الشعوب

بدل أنيقة وأحذية لامعة شعور مرتبة وبسمة لا تغادر الوجوه تظل منقوشة على محياه لا تقادر ولا تتزحزح كيف لا وهي سليلة التفاؤل ووليدة الفكرة ومربط فرس الرهان التي يراهن عليها روادها ومنتسبوها الذين نزلوا لإنقاذ النفس البشرية والخروج بها من مستنقع الإحباط والانهزام أمام الظروف والصدمات الواحدة تلو الأخرى بعصيهم السحرية وكلماتهم التي تتشبع وتكاد تقطر بإيجابية رخوة وحلول منقوصة ما تكاد تهوي بصاحبها إلى ظلمات الإحباط والانهزام بدل في رد فعل عكسي.

هم مردة التنمية البشرية أو الذاتية وروادها الذين اكتشفوا سرها وخاضوا أغوارها فقرروا أن يلعبوا دور الرسول المرسل لنشر رسالة الوهم والآمال الواهية فأقاموا الاحتفالات والتجمعات والجلسات لإيصال رسالتهم النيرة لأكبر عدد ممكن من اليائسين والمحطمين ولابد حتى تكتمل الصورة أن يصطفي عددا من الخلفاء من بعده يعد إليهم بنشر رسالته التبشيرية السامية.

ظهرت التنمية البشرية بشكلها الحديث والموجود حاليا بعيد الحرب العالمية الثانية بعد أن خرج عدد من الدول منهكا محطما ومبعثرا اقتصاديا وسياسيا وحتى على المستوى الشخصي والاجتماعي للشعوب التي تسلل اليأس والإحباط إلى أوصالها فانتشر فيها كالداء العضال الذي كان يهدد جسد تلك الدول المنهكة مما استدعى وجود نوع من البرامج وبث الحياة في تلك الأجساد المتعبة من جديد وبث روح الأمل فيها من بعد موات الأمر الذي بلغ ذروته في تسعينيات القرن الماضي حيث وجد غطاء وفيرا لمنظمات وجهات عدى على رأسها الأمم المتحدة التي سعت في تحسين الأوضاع للدول ونشر روح العمل والتقدم فيها.

التنمية البشرية لا تراعي اختلافات الأفراد وإمكانياتهم وشغفهم وطموحاتهم بل يقدم المدرب قالبا جاهزا معدا مسبقا للنجاح والتقدم والتطور من منظور التنمية البشرية

إذا حاولنا تعريف التنمية البشرية فكم هو عسير إيجاد تعريف لها ولكن يجمع روادها على أنها كل فعل أو عمل يرنوا ويسموا بالإنسان وينقله من تلك العتبة الدنيا إلى ما فوقها ويقوم بتطوير الفرد وتحسين قدراته وهو كما يبدو للعيان تعريف واسع وفضفاض ومن هنا تكمن المشكلة فكل فعل يؤدي إلى تطوير النفس هو تنمية دون أخذ اي اعتبار للفروقات الإمكانيات والظروف وتعريف النجاح من شخص لأخر الأمر الذي ينعكس سلبا بتلك الصورة النمطية والمقولبة الجاهزة للنجاح والتطور والتقدم التي يصبها ويقذفها المدرب على أذاّن جمهوره المتعطش لخطبه المليئة بالحماس والصراخ والألعاب والعبارات الرنانة.

وجدت التنمية البشرية مرتعا طيبا وأرضا خصبة لها في ربوع المجتمعات العربية عامة والشباب العربي خصوصا القابع تحت رحمة الظروف الاقتصادية الطاحنة والبطالة الأمر الذي جعل هذا الشباب المحطم ضحية وفريسة لمثل هذه الدورات التي أصبحت تعمل كمسكن لاّم الشباب التي تنخر أجسادهم الفتية فبين دورات تحمل عناوين ككيف تكسب الملايين خلال فترة محددة من الزمن؟ أو قوانين جاهزة للنجاح في سبعة أيام؟ كيف تصبح قائدا في عدة أيام؟ بل حتى كيف تكسب حب الناس ورضاهم في عدة سويعات؟ وهي الغاية التي لا تدرك والحقيقة التي غبار عليها أصبحت في عداد التنمية البشرية أمر محسوما لا يحتاج لأكثر من دقائق معدودة تجلس أثرها مستمعا لصاحب البدلة الأنيقة بأسلوبه اللبق وكلامه المعسول حتى تنتقل طاقته الإيجابية لا سلكيا أو تتشرب بترياق الجاذبية فتلاحقك الأعين ويطاردك المعجبون.

زيارة واحدة تكفي لمعرض للكتب حتى تدرك مدى الإحباط الذي يعكسه الإقبال المرعب والضخم على تلك الكتب التي تبدأ ب كيف أو تسبقها عبارة ككن وما كان ذلك يوما وغالبا لن يكون فالإقبال الضخم على تلك الإصدارات أدى لامتهانها فأضحت مهنة من لا مهنة له وطريق الكثيرين للكسب والربح السريع يتغذى ويتطفل فيها على أوهام المحبطين وأحلام المتعبين قبل أن يتطفلوا فيها على جيبوهم 

تكمن مشكلة التنمية البشرية كما تقول كلوديا تاونسند أن الأهداف الكبيرة البعيدة ستؤدي تماما إلى تحطيم أحلامك كناظر إلى الأفق أو متربص بعال بينما تزل قدمه ويهوي في سحيق الإحباط والهزيمة وهو الذي لا يطالع موضع قدمه الاّن فلا بلغ وجهته ولا خرج من هوته السحيقة بل بالعكس تماما ربما زادته انغماسا وتقهقرا في دهاليز وغياهب الاكتئاب والضغوط النفسية مما يؤدي إلى اضطرابات وشروخ نفسية عميقة فالتنمية البشرية لا تراعي اختلافات الأفراد وإمكانياتهم وشغفهم وطموحاتهم بل يقدم المدرب قالبا جاهزا معدا مسبقا للنجاح والتقدم والتطور من منظور التنمية البشرية الأولى بها تقديم رؤية منفصلة تراعي اختلافات الأفراد ونظرتهم للنجاح والتقدم والتطور بعكس ما تقوم به التنمية البشرية كما يقول توماس لانجز أن الأهداف الوهمية يمكن أن تقوض النجاح وتضعف الحافز الحقيقي للوصول إليه.

 

أما فكتور فرانكز في كتابه الإنسان يبحث عن معنى فهو يرى أن السعادة حقيقة لا يمكن أدراكها والسعي إليها كقيمة مفصولة قائمة بذاتها بل الأولى هو السعي خلف ما يحقق للفرد طموحه وأماله ثم ستأتي السعادة والنجاح راغبين طائعين فالنظرية الموضوعية والتي يتهمها الكثيرون بالسلبية والتشاؤم والسوداوية رافعين عنها صيغة الموضوعية الواجبة فإيجاد المشاكل والعقبات وتحديدها والنظر إليها نظرة موضوعية متجردة من العواطف الإيجابية بحيث يدرك الفرد حقيقة المشكلة وديدنها.

 

بائعو الوهم هم الرابحون الوحيدون بتلك القاعة المليئة والمكتظة عن بكرة أبيها التي تحمل عنوانا كبيرا فضفاضا ملونا وضاحكا "طريقك إلى الربح السريع"
 

وهو جزء كبير ولا يتجزأ من حل المشكلة وليس كما تحاول دورات التنمية البشرية المنتشرة إيصاله بأنه مهما عظمت المشكلة واستعصت فهي في نظر التنمية البشرية لا تعدو كونها وهما يمكن تعديه وتخطيه بعدد من الكلمات المليئة بالاقتباسات والصراخ والكلام الإيجابي الذي لا يعزوا عن كونه مسكنات يرجع إليها الفرد والمجتمع كل ما هالته الظروف وقست عليه الدنيا كما يقول جوزف فورجاس أن الأفكار السلبية ليست سيئة على الدوم وهو ما يدفع الأفراد إلى التفكير وتعزز قابليتهم للتكيف والـتأقلم وجعلهم أكثر انتباها في قادم الأيام.

أما هذه الدورات ومدربوها فلا يوجد أسهل من حصولك على ذلك الكم الهائل من الشهادات التي يتشدق بها البعض والتي غالبا ما تصاحب صورة المدرب وابتسامته العريضة بعشرات الشهادات من جامعات قد لا تكون قد سمعت بها قبلا ولعل تتبعا بسيطا وتسلسا لهذه الشهادات يفضح سوقا كبيرا من الشهادات المزورة الإفادات الكاذبة التي وجدت طريقها إلى جيوب الأفراد الذين هم في كثير من الأحيان من أكثر الناس حاجة للمال والوظيفة مما يجعلهم يسعون خلف الربح والفوز السريع مما يجعلهم ضحية أو شريكا جديدا في تسلسل لعملية تجارة تتوارث وأوهام تنتشر في أواسط الشعب المغلوب انتشار الوباء في أواصل المجتمع.

الجدير بالذكر أننا لا نعقب هنا على بعض المهارات التي تساعد في التنظيم والترتيب واكتساب مهارات جديدة تضيف للرصيد الشخصي والفردي للشخوص ما يجعلهم يتغلغلون ويقدمون صورة أكثر ايجابية في شكل عملي قابل للتطبيق كما يعرفه الإعلان العالمي عن حق التنمية المنشور عام 1986 والمعني بتقديم الدعم والتنمية للدول الفقيرة فعرفها بأنها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها.

أما تلك الدعوة التي يقوم بها هذا أو ذلك أو يتصدى لها أفراد من دون تقديم حلول فعلية وجذرية تشمل جميع أفراد المجتمع وطبقاته اجتماعيا واقتصاديا فهي في ضررها ما يفوق نفعها وفيها من الأذى ما يحجم النفس البشرية عن السعي خلف الحلول ونفض غبار الإحباط المتراكم بغسله كليا والبدء من جديد لا بدفن الرؤوس في التراب والأمل بحدوث الأفضل من دون أمر واقع يمكن تطبيقه على الأرض أما بائعو الوهم فهم الرابحون الوحيدون في تلك القاعة المليئة والمكتظة عن بكرة أبيها التي تحمل عنوانا كبيرا فضفاضا ملونا وضاحكا يحمل عنوان طريقك إلى الربح السريع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت الرياض أنها قدمت وأبو ظبي "تبرعا طوعيا" للأمم المتحدة قيمته 930 مليون دولار لأجل اليمن، وسط انتقادات لخطة المساعدات السعودية بهذا البلد الذي تقول مصادر أممية إنه مهدد بالمجاعة.

أفادت الشرطة السودانية أن رجلا يحمل سكينا هاجم مصلّين داخل مسجد بولاية كسلا شرقي البلاد، فقتل شخصين وأصاب خمسة آخرين أمس الثلاثاء قبل أن يردي المصلون المعتدي قتيلا هو الآخر.

وجهت واشنطن انتقادات شديدة لمجلس الأمن على خلفية فشل تنفيذ قرار الهدنة السورية، متهمة روسيا وإيران بانتهاج إستراتيجية الحصار ثم التجويع ثم التهجير، وهو ما اعتبرته عارا على الأمم المتحدة.

الأكثر قراءة