السعودية والتلاعب بالدين.. كيف تستخدم المقدسات لخدمة سياساتك؟

مدونات - مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ محمد بن سلمان
نشأت ما تُسمى بالصحوة السعودية بعد حادثة اقتحام جهيمان وجماعته للحرم المكي الشريف نهاية العام ١٩٧٩م الموافق ١٤٠٠ للهجرة. حيث أعلن جهيمان العتيبي أن صهره محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر وطلب من أتباعه المبايعة له في صحن المسجد الحرام. وما لبث أن تم اقتحام الحرم وقُتل المهدي المنتظر وبعض أنصاره، والقبض على جهيمان والحُكم عليه مع ستين شخصاً من أنصاره بالإعدام. وقد كانت حركة جهيمان مشابهة لإخوان من طاع الله الذين شقوا عصا الطاعة على الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مؤسس الدولة السعودية الثالثة بعد أن كانوا أنصاره ومؤيديه في (فتوحاته) في نجد والحجاز.
 
ثم تبنى الملك الرابع من حكام الدولة السعودية الثالثة خالد بن عبد العزيز آلِ سعود الفكر الصحوي بعد حادثة جهيمان. يدعو هذا الفكر للعودة إلى الإسلام الصحيح، وإلى تراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أعطى للدولة السعودية شرعيتها، وقامت على أساسه. وقد اقتضى هذا الفكر تحريم الغناء والموسيقى، ومنع إقامة الحفلات الموسيقية، وحظرها من البث التلفزيوني والإذاعي. ثم واصل الملك فهد دعم هذا الفكر واستغلاله لدعم الجهاد في أفغانستان طوال عقد الثمانينات.
 

أدّى تولي الملك عبد الله ومن بعده الملك سلمان مقاليد السلطة في المملكة إلى تقوية شوكة الفكر الجامي وتماهت معه المؤسسة الدينية الرسمية في كيل الثناء والمديح لولاة الأمر وتأييدهم في كل قراراتهم

نشأ إذاً نوع من التحالف بين السلطة وبين هذه الحركة استمر حتى الغزو العراقي للكويت. ثم ما لبثت حركة الصحوة هذه أن اصطدمت مع الحكومة والمؤسسة الدينية الرسمية بعد أن أفتت الأخيرة بجواز الاستعانة بالكفار والمشركين في صد العدوان العراقي على المملكة وتحرير الكويت. ولا سيّما جهر كل من سلمان العودة وشيخه سفر الحوالي برفض فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز. إذ يرى الشيخان سفر وسلمان أن فتوى بن باز تعارض الحديث الشريف الذي نص على إخراج المشركين من جزيرة العرب.

 
ونتيجة لهذا الصدام الذي لم يكن منه مفر كما يبدو، لجأت الحكومة السعودية حينها إلى إنشاء وإبراز حركة جديدة، وتقديم مدرسة فقهية توالي ولي الأمر، وتهاجم كل يخالفها، وتظن نفسها ومن يتبعها أنهم الفرقة الناجية وما سواهم في النار. كانت الحركة التي أطلق عليها معارضوها مصطلح الجامية نسبة الشيخ الأثيوبي محمد بن أمان الجامي أو المدخلية نسبةً للشيخ ربيع بن هادي المدخلي قد اصطدمت مع الصحوة لوقوف الأولى في صف الدولة، والإنكار على المعارضين لها. وقد قويَ عود هذه الحركة واشتد طوال فترة التسعينات.

وحشدت الحركة الجامية – المدخلية الأحاديث والآيات القرآنية التي تحرم نقد ولي الأمر علانية، وعدم الخروج عليه تحت أي ظرف من الظروف. وأطلقت على كل معارضيها ألقاباً شتى مثل السرورية والقطبية والقبورية، رغم أن المدرستين الصحوية والجامية خرجتا من منبع الوهابية التي تشكل مدرسة فقهية أو تياراً دينياً يستند إلى الفقه الحنبلي. وقد انتشر الفكر الجامي في مصر وشمال أفريقيا، ويعتبر أنصاره ومريديه أنهم وحدهم يمثلون العقيدة الصافية والسلفية النقية وما سواهم مبتدع وفاسق وإن كان من أهل السنة والجماعة.
 
 محمد بن أمان الجامي (مواقع التواصل) محمد بن أمان الجامي (مواقع التواصل)
  
أدّى تولي الملك عبد الله ومن بعده الملك سلمان مقاليد السلطة في المملكة إلى تقوية شوكة الفكر الجامي وتماهت معه المؤسسة الدينية الرسمية في كيل الثناء والمديح لولاة الأمر وتأييدهم في كل قراراتهم التي يشكل كثير منها مخالفة للمدرسة الوهابية، ووصل الأمر إلى أخونة رموز الفكر الصحوي الجدد والتضييق عليهم. فلم يعترض أحد منهم على سماح الدولة بفتح دور السينما، والسماح للمرأة بقيادة السيارة، وإقامة عروض الأزياء، والحفلات الموسيقية المختلطة بين الجنسين. فيما صمت رموز الصحوة تماماً أو تم الزج بهم في المعتقلات.
 
إذن نحن أمام وهابية جديدة تخالف وتناقض ما كانت عليه الوهابية الأولى في موروثها الفقهي، ومبادئها وأصولها. وهابية منفتحة تكاد تتفق مع الفكر العلماني السعودي في تمكين المرأة وتشجيع الموسيقى. وهابية يستخدمها ولي العهد محمد بن سلمان لتنفيذ تغييرات كبيرة يرفضها قطاع عريض من السعوديين. إذ كيف يمكنهم تقبل وحود حفلات موسيقية بين ظهراني الحرمين الشريفين وهم تعلموا وتربوا على تحريمها. وقد انتقد محمد بن سلمان الصحوة صراحةً واعتبر أفكارها متطرفة إذا قال بالنص: (لن نترك لحركة الصحوة الإسلامية التي ظهرت في حياتنا في عام 1979 أن تؤثر في التشريع في البلاد).
 
وقد استفادت الدولة السعودية عبر تاريخها الطويل من توظيف الدين لتثبيت نفوذها وبسط سيطرتها على الجزيرة العربية. وقوبلت وسُتقابل كل معارضة لسياسة الدولة من علماء الدين والدعاة بكل حزم مثلما حدث مع الصحويين الذي تحولوا إلى إخوان مسلمين في رأي معارضيهم، ومثل ما حدث مع إخوان من طاع الله الذين تحولوا من سلفيين إلى خوارج. والأمر نفسه ينطبق على المجاهدين العرب في أفغانستان الذين تحولوا من مجاهدين إلى إرهابيين. واستمرت الحرب على الصحوة والوهابية عموماً بانعقاد مؤتمر غروزني الذي ضم رموز المذاهب الصوفية والأشعرية، واستبعاد ممثلي الوهابية التقليدية ورموز الصحوة من المشاركة في المؤتمر مما حدا بهيئة كبار العلماء في السعودية بوصف عروزني بأنه (مؤتمر وخلاف وفتنة). ووصفه الشيخ يوسف القرضاوي الذي يعتبره البعض من أهم رموز الصحوة بأنه (مؤتمر ضرار).
 
مما سبق يمكننا القول إن الدولة السعودية تستخدم الدين حين يكون في صالحها وتعزله وتحيّده حين لا يحقق أهدافها أو حين يكون عائقاً أمام سياستها الداخلية أو الخارجية. وتُجدد الوهابية ثوبها مع تغير ثوب الدولة، ويمكنها دائماً تحوير النصوص الدينية وتفسيرها بما يناسب سياسة الحكومة إما عّن قناعة أو عن إجبار. وبهذا واجهت الدولة السعودية الثالثة ثلاث حركات شكلت في بدايتها تحالفاً مع الدولة ثم ما لبثت أن انقلبت عليها وقلبت لها ظهر المجن. فهل يكون مصير الحركة الجامية- المدخلية كمصير إخوان من طاع الله وجهيمان والصحوة أم سيستمر تحالفها مع السلطة؟