عزيزي الرجل.. هل تُتقِن "الكروشيه"؟!

blogs الكروشية

في حصص الأنشطة المدرسية كنا نُساق إلى حصة التدبير المنزلي لتخبرنا معلمتنا أن إجادتنا لغرزة الكروشية يعد نصف الطريق لنكون زوجات صالحات قادرات على صنع البهجة في بيوتنا.. كانت تصر أن نبذل كل جهدنا لنصل العُقدة بالأخرى باهتمام فنصنع نسيجاً متجانساً في المسافات متناسقاً في الألوان والأشكال.. وكأنها تجهزنا لإجادة ربط دوائر مسؤلياتنا مستقبلاً لتكون متماسكة في غزل لا ينقض، فالفتاة عليها أن تتواءم مع حياتها في دوائرها الكثيرة المتداخلة المتلاحقة.. الدقيق منها والعادي.. السهل والصعب المتصل بغيرها والخاص بها وحدها لتصبح قادرة على نسج قطعتها الفريدة.. أثرها الذي محالُ ألا يُرى!

 

كنت كثيرة التعثر والتخبط رغم محاولاتي المتتالية، لا تخرج مني عقد متساوية المسافات، ولا أجيد سد الفراغات، فلم أفلح في تعلم أي طريقة " للتريكو" لا ذات الإبرة الطويلة ولا حتى القصيرة المعقوفة! على الجانب الآخر كان الذكور يلعبون كرة القدم، منهمكين في تمرير الكرات الطويلة لبعضهم، غير عابئين بإحراز أهداف، هم يتسمتعون بالركض بحرية وتبادل الصراخ والتعليق بمرح تام، وسط ضجيج أصواتهم ونقاط العرق المتسارع كما أنفاسهم، لا يعبأون بما يتركه اللعب على ملابسهم من أثر فلن توبخهم أمهاتهم ما داموا يجيدون الهرب منها سريعاً. وقتها كنت أغار منهم، فليس عليهم الجلوس بانحناء لوضع إبرة في مكان دقيق من خيط رفيع، كما لم يكن ضرورياً أن ينهوا لعبتهم بمنتج بعينه يتباهون به وبالطبع ليس عليهم الخجل إذا فشلوا.

 

هي الأم بالفطرة والزوجة بالرغبة والحبيبة بالاختيار، يتعلق بها كل طرف بطريقته، وتتعلق هي بهم جميعاً لتداوي ذاتها

قبل عقدين، كانت عمتي ماهرة جداً في صنع أغطية للمناضد والكراسي والأسرة وحتى الجدران من الكروشيه، لم يسلم أي مكان فارغ من إتقانها الزائد وكان زوجها معروفاً بمهارته في لعب كرة القدم، دوماً كان يحكي لنا قصة احترافه التي أضاعها عليه والده ليظل فلاحاً يغرس الأرض فتنبت قمحاً لتعتاش منه الأسرة، اعتبر مهارته نعمة أضاعها حظه العاثر، كان يسرد حكايته على مسامع عمتي مئات بل آلاف المرات، تصغي له باهتمام فيما تكمل غطاء رأس شرعت منذ قليل في نسجه لابنهما الأصغر، تباغته بذكرى جميلة فيرد عليها بقصة مضحكة، ثم ما يلبثا أن يختلفا لسبب بسيط فتتعكر الأجواء، ترمي هي إبرتها وخيطها وتترك المكان ويصب هو غضبه عليها ويواصل سرد حكاية حظه واللعب.

 

عندما سافرت مؤخراً وجدت زوجها قد فارق الحياة.. منذ غاب لم تعد للبهجة مكاناً في حياتها، رغم كونهما دائمي الشجار، إلا أنهما كانا متكاملين لدرجة مربكة.. كان يحبها وتعشقه، فتوقفت عن صنع مفارشها وأغطيتها؛ لم تفقد مهارتها فقط بل غاب شغفها بالحياة..

 

هل لي أن أحكي لك قصة أخرى، دع خيالك يسايرني قليلاً، الآن.. كل يوم بعد الفجر بقليل تفيق سيدة من نومها، لا تحتاج لآلة تنبيه فهي بحد ذاتها الآلة، تبدأ يومها بمهام متعددة، تساعد أبناءها على الاستيقاظ وارتداء ملابسهم المدرسية، تُحضر طعامهم، تبحث عن حذاء هذا وقميص تلك، تطمئن على وجود كل شيء في مكانه قبل ترتدي ملابسها بسرعة تناسب ما تبقى لديها من دقائق معدودة قبل موعد بدء المدرسة ولتتلافى ازدحام الطريق إلى عملها البعيد..

 

كثير من السيدات يردن بعض الراحة ويتمنين لو استطعن إجادة الحياكة والكروشيه وكل المهارات المسلية تلك، لكن عالمهن لم يعد بسيطاً
كثير من السيدات يردن بعض الراحة ويتمنين لو استطعن إجادة الحياكة والكروشيه وكل المهارات المسلية تلك، لكن عالمهن لم يعد بسيطاً
 

تشغل سيارتها وتنطلق، تودع صغارها باسمة بعد اختلاق العديد من الحكايات الكوميدية عن جمال اليوم وتوقعاتها الأكيدة في العودة مبكراً.. تلوح لهم على باب فصولهم وتطبع قبلة سريعة تخلع معها الأمومة لتبدأ شخصية أخرى. ترتدي قناع الجدية حالما تصل باب عملها، فهناك تصادف أنواعاً مختلفة من البشر؛ الطيب والشرير، الطامع والأمين.. الحقيقية والمزيفة.. 

 

تمر الساعات متواترة، تنجز عملها، تناقش أموراً مهمة جداً وأخرى عادية، تساير نفسها في عالم تحبه أو تبغضه، وتنهي عملها لتستكين من جديد حول دورها الرئيس وكل اللحظات المهمة التي فاتتها.. فهي الأم بالفطرة والزوجة بالرغبة والحبيبة بالاختيار، يتعلق بها كل طرف بطريقته، وتتعلق هي بهم جميعاً لتداوي ذاتها، تحاول في جميع المسارات فتعبر بعضها بسلام وتتعثر أمام تحديات لا قبل لها بمواجهتها.. وربما ظلت حبيسة وحدها بين ما يجب وما تستطيع..!

 

كل صباح.. عليها أن تواصل التجربة.. تضيع فرصاً.. تصنع نجاحاً.. تمدح تصرفاً.. تتمنى أمنية.. تجلس متعبة.. تقسم ألا تعاود الكرة.. تحنث بقسمها وتعاود.. تبني عالماً كل يوم وقد تهدمه فجأة اعتقاداً منها أنه الاختيار الأمثل.. إلى جانب كل هذه المهام، لكونها أنثى عليها أن تظل قابضة على أغلى ما قيل إنها تملكه.. "أنوثتها" ذلك الجانب المقدس الهادئ في حياتها حتى لو كانت تحارب في جبهات عدة، لتتأرجح في محاولة العيش باتزان…

 

هكذا هي حياة كثير من السيدات؛ جميعهن يردن بعض الراحة ويتمنين لو استطعن إجادة الحياكة والكروشيه وكل المهارات المسلية تلك، لكن عالمهن ليس بسيطاً فلم يعد تحريك الإبرة بمهارة وسد الفراغات بتأنٍ هو كل المطلوب؛ بل صار تمرير الكرات وإحراز الأهداف واجباً أيضاً، فهل يستطيع الرجال إتقان الكروشيه؟!