باذري الفوضى ومأساة الحرب والاغتراب

blogs اليمن

بعد ثلاثة أعوام من الحرب والتمزق المتسع بفعلِ انقلابٍ حوثي كما يتفق الغالبية، وإنصاف للشرعية بتدخل دول التحالف بقيادة السعودية كما يزعمون، يجد اليمنيين أنفسهم تحت وصفين: ففي الخارج أحياء غرباء وفي الداخل موتى بغرابة! وتلك محصلة طبيعية للعجز المنبثق عن ساستنا وجذور المأساة ولحظات المأساوية والخذلان (هادي وحكومته) وسياستهم الداعية إلى إقامة الحداد باكرًا قبل فقدان ما تبقى من قدرك الواعي.

ففي الوقت الذي يحاط فيه هادي بالكثير من باذري الفوضى في سياستهم وتصرفاتهم الموجهة للداخل اليمني، يقفون على المستوى الخارجي كفريسةٍ للارتباك أو كمن ملأهم غيظ أخرس! في ظل سياسة سعودية موجهة نحو المغتربين اليمنيين هناك على وجه التحديد غير قابلة للمساومة وكأنها قوة على أهبة البطش دونما رحمة.

 

إذ يتبدى جلياً للجميع اليوم أن السياسيين من هذا النوع هم عفوية التاريخ وعادته المفرطة في منحنا تباشير القسوة والكنود، بعد أن وجد كل من كان يعول عليهم من مناصرين ومؤيدين في الترتيب لنهاية تتسع للجميع، وفي ظل واقع سياسي متفلت، أن صنائعهم ليست أكثر من وطن يكاد يبتلع نفسه أو يُبتلع، وقادم يفتح نفسه أمام آلاف من صور البطش المحتمل وغير المتوقع والمترابط بوشائج لا تنفصل، وتلك هي النهاية الحاملة على جلد الذات وزم الشفاه عن الصياح في مسرحية سياسية زاخرة بالوهم والظن لبدايةٍ استثارت الرقص كعشبة متمايلة في السهل الأغبش.

 

يتعامل الرئيس اليمني هادي ووزراءه مع الموقف الخطابي الراهن للسعودية في قضية المغتربين كما الغريق الذي ابتلعه الموج فابتلع لسانه الصمت

ففي الطرح التعريفي للعلاقات الدولية والمُنظر لبنيتها: تعتبر السياسة الخارجية الوجه التشريعي لها والتي لا يمكن تحقيقها دونما ربطها بالدبلوماسية والتي تعتبر: أداة تنفيذية لما تسعى إليه السياسة الخارجية وبمعية الاستراتيجية والتي تعني: القوة الفاعلة والمؤثرة في طبيعة هذه العلاقات وفن استخدامها. فيؤكد ذلك الطرح أن اليمن قد ترك وحيدًا واقتلع صوته وبقي مركونًا خلف المشهد يصارع خيباته حينما يتعلق الأمر بقضايا اليمن ومواطنيها خارجيًا.

وما قضية المغتربين لدى السعودية إلا أكثر الأمثلة اكتمالًا وأشدها إلحاحًا والجهة الكاملة من الفشل السياسي الخارجي اليمني، إذ أقصى ما يمكن فعله من قبل ممثلي اليمنيين في الخارج من أعضاء الحكومة ووزرائها وعلى رأسهم وزير الخارجية اليمني (عبد الملك المخلافي) هو الخروج مزهوين بتصريح كان وقعه كالمزربة التي تهوي على الرأس حينما صرح قائلًا "استطعنا إقناع بيت القرار السعودي في السماح لأبناء المقيمين اليمنيين في الالتحاق بالمدارس الخاصة" معتبرًا ذلك بالإنجاز والاستثناء الذي يستحق الاحتفاء، دونما علم منه بأن في السياسة الخارجية لا حق يستجدى أو يرتجى خاصة وأن بلادك باتت اليوم ساحة لحروبهم وحاضنة مبتئسة لمشاريعهم السياسية المراهقة والعسكرية.

 

وأن ثمة تصرفات سلطوية تتخذها الحكومات أو تلتزم باتخاذها للمحافظة على الجوانب المرغوبة في البيئة الدولية أو غير المرغوبة فيها، خاصة حينما يتعلق الأمر بمسألة وجودية كمسألة المغتربين اليمنيين هناك، لكن خيارات ساستنا لا يمكن أن تذهب إلى ما هو أبعد من الوعود في مخاطبة الأطراف السعودية وفتح خطوط لحوار نهايته مغلقة وبلا نتائج ، وإما الصمت والاختباء وهو الخيار الأكثر قبولية لدى وزرائنا الذين لم يفقهوا بعد ماهية السياسة الخارجية ومصالح الدول والتي وضعتهم نتائجها في خانة الفراغ والهزيمة كمحصلة نهائية لأدوارهم الخجولة والمنقوصة.

وما كان واسعًا بالأمس بالنسبة للخيال اليمني في الداخل والخارج حول أحقيتهم في منحهم الثقة كممثل شرعي ستنتصر للجميع باتت أضيق من أي وقت مضى، فكلما فكرت فيما يمكن أن يقوم به هؤلاء المنفوخين بخطية الزمن وجريرته، أجد 25 مليون يمني وأكثر محاطون بألوان من الفشل المرعب في التعاطي مع صانعي القرار داخل الخيمة السعودية!

إذ تبحث فيهم عن لحظةٍ للنصر فتجد أنك مبالغ بما يكفي وأنت تتخيل ذلك، إذ يتعامل هادي ووزراءه مع الموقف الخطابي الراهن للسعودية في قضية المغتربين كما الغريق الذي ابتلعه الموج فابتلع لسانه الصمت، فتجد أنهم اللغة الفاترة والقاسية بصمتها عن أي رد فعل إزاء هذا الاجتثاث لمغتربينا هناك، فيصبح توصيفهم بالآفة التي وضعتنا كالفريسة أمام ناظري الحاكم السعودي والخارجي أبسط الأشياء وأقلها جهدًا، وهم الذين أحالونا إلى دورق يفيض بالحسرات ولم ننل منهم غير صوتهم الفاضح والخجول في ذات الوقت إذا ما نطقوا والملمح الذي يتكدس بين تغضناته الغبار والسناج، فيما أصبح من السهل جدًا بالنسبة للخارجية السعودية مغالطة العالم وهي تحول ملايين المقيمين لديها باللاجئين الذين وجدوا ضالتهم لديها في التصريح الذي جاء على لسان وزير خارجيتها ( عادل الجبير).

وفي التصور الجمعي لما يمكن أن تخلفه سياسة هادي ووزرائه، فليس بمقدورك تجنب أو إزاحة الصورة التي تخبرك بأن فيها الشيء المماثل والكثير من التشابه بينها وبين تلك المأساة التي خلفها (حاكم أكبار وكهنته) في رواية (الجبل الخامس لباولو كويلو) حينما راح يصف المشهد الموروث عن حماقتهم بالقول: "إنهم لم يورثوها سوى جثث عارية ومقاتلين يقاتلون ضد الدمار والموت"، ليقترب أكثر بفطنته نحو الواقع شاخصًا بنظره طويلًا في نهاية المطاف فلم يجد سوى شباب يضحك في وجهه الموت حاملا الجميع نحو السكون الدائم والأبدي للموت والذي يكاد يُلمس من فرط كثافته. 

لم يتبقى أمام المغترب اليمني وتلك الحقيقة التي نخاف تصورها سوى خياري التفكير بالعودة المفتوحة نحو احتمالية الموت الجماعي أو البقاء المغلق وحتمية الخطر
لم يتبقى أمام المغترب اليمني وتلك الحقيقة التي نخاف تصورها سوى خياري التفكير بالعودة المفتوحة نحو احتمالية الموت الجماعي أو البقاء المغلق وحتمية الخطر
 

إذ لم يتبقى شيء بالنسبة لليمني في الداخل أكثر من أمل مربوط بأولئك الغائبون خلف حدود الجغرافية، وعودتهم هي ذاتها اللاعودة وهي ذات التغريبة التي ستبتلع ما تبقى من أطراف الإنسان اليمني المهدور القابع في أحضان التيه ووطن حضنه بات مفخخًا.

فتلك العودة والترحيل الذي بات يتربص بالكثير من المقيمين لدى السعودية، لا يعنيان سوى اكتمال قصص المدن الهاربة وعودة مشاريع الأفكار العاجزة والقصص الرابطة بين صيفٍ تتقافز فيه الأرواح في نزعها الأخير والحنين ساعة الزوال. فلم يتبقى أمام المغترب اليمني وتلك الحقيقة التي نخاف تصورها سوى خياري التفكير بالعودة المفتوحة نحو احتمالية الموت الجماعي أو البقاء المغلق وحتمية الخطر والتهديد غير المتلاشي في ظل رؤية 20، 30 للسعودية التي لم تبقي شيئًا إلا وانتزعته، وفي ظل واقع بات مسرحًا تتصارع فيه الأضداد، إذ تجد في الزاوية الأولى من هذا المسرح هادي وحكومته المنفية متربعون فوق الموائد يملأهم الشعور بالعاطفة وعرفان الجميل لمن جعلهم رهائن لا أكثر ومقيمين استطال بهم القعود والعبء دون أن تدري لماذا؟!، فيما يتصدر قلب هذا المسرح وفيما يقابل المشهد الأول ملايين من البشر يتساحبون أطراف حديثٍ قوامه الشكوى والهذر والرجاء من نهاية تخبر الجميع أن شيئًا ما كان.

فيما الأصوات القادمة من الداخل اليمني المنادية بالعودة إلى الوطن، فهي ذات الصوت الخائف وذات الكلمات المرتجفة، إذ تعلم جيدًا كم أن للوطن من ألوان ضيقة لا تتسع للمبصرين، بعد أن تحول الوطن والدار إلى سراب من فوقه سراب يغشاهم السديم، ولقمة العيش لا يمكن أن تمنح لك إلا وأنت خلف إحدى المتارس المصفوفة بجثث من سبقوك، وكمقاتلٍ يتربص به الهلاك من أجل اللاشئ، وعلى الجميع حق ذرف الأرواح. ذلك ما يتركك متربعًا في عتمة الفراغ ولا شيء يمنحك المواساة غير الكلمات وأنت تردد في نهاية المطاف "وما ألم العالم وأقرانه إلا مجرد لحظة أما نحن فوثيقة".