شعار قسم مدونات

أبطال الديجيتال

مدونات - أبطال الديجيتال
لا شك في أن الذاكرة رجعت بكم مباشرة إلى حلقات الأنيمي الياباني المشهور "أبطال الديجيتال" الذي رافقنا فترة مهمة بطفولتنا، حيث يحكي قصة ثمانية أبطال تم اقتيادهم إلى عالم موازي يدعى ب"الرقمي" أثناء اصطيافهم بمخيم صيفي، حيث رسم المؤلف سيناريو إنقاذ العالم الرقمي و الحقيقي على أيديهم، من قوى الشر المختلفة..
   
و أنا أتذكر تفاصيل الحلقات التي تابعناها بشغف، بدأت أراقب "عالم الديجيتال" الذي بتنا نعيشه اليوم باختلاف فضاءاته من شبكات التواصل الإجتماعي إلى مختلف التكنولوجيات الحديثة والرقمية، و الذي يصاحب حياتنا اليومية بمختلف تفاصيلها الدقيقة، مهما اختلفت الأعمار و الاهتمامات، هناك مكان ستجد فيه الجميع، أو لنقل جل الناس، يدعى بالعالم الافتراضي أو الرقمي إن صح التعبير.
   

ثورة مجتمعية
إن العالم الرقمي ساهم كفاعل أساسي و محفز كبير في كل الثورات العربية التي قامت بها الشعوب طلبا للحرية و العدالة و الكرامة الإجتماعية، حيث جمعت وسائل التواصل الإجتماعي الألاف من المواطنين حول أهداف مشتركة يناضلون من أجلها و يطالبون بتحقيقها، وهنا نعود إلى أبرز حدث بصم هذا القرن، ألا وهو بداية الثورة بتونس، حيث يمكن الإشارة إلى أهمية الدور الذي قامت بها هذه الفضاءات سنة 2011 من أجل تنظيم محكم لعملية الخروج إلى الشارع والاحتجاج عبر مجموعات فيسبوكية مغلقة، صفحات عامة وتواصل مستمر..هذه الفضاءات التي سمحت بانطلاق "الديمقراطية الرقمية"، حيث أتيح لأفراد المجتمع مساحات شاسعة للتداول والنقاش حول مواضيع مختلفة، أبرزها الشأن العام و السياسي، و تقييم الحكام و السياسيين، و انتقاد كل تهاون أو تقصير..

   

ثورة اقتصادية
المجتمعات والدول التي اشتغلت بجد على تطوير وعي مواطنيها، يقل فيها انتشار التفاهة ويكثر فيها الإنتاج المعرفي والعلمي، وهذا ما قد يفتقده الآن العالم العربي

أحدث الإهتمام المتزايد لسكان العالم بشبكات التواصل الإجتماعية و الفضاءات الرقمية، ثورة اقتصادية في قطاعات مختلفة، على سبيل المثال النجاح الباهر الذي حققه موقع "Amazon" و "Alibaba" و العديد من الأفكار و الشركات العالمية و الوطنية، و التي ركزت جهودها في تطوير "سوق إلكتروني" مفتوح تجاه كافة قارات العالم، يعتمد على "الدفع الإلكتروني" و "التسويق الإلكتروني" للمنتجات والعروض..كذلك التحول البارز الذي تعيشه الماركات و الشركات العالمية، في انتقالها من التسويق و الإشهار التقليدي، إلى الإهتمام أكثر و أكبر بوسائل التواصل الإجتماعي، من أجل جلب الإنتباه تجاه البضائع والخدمات، وهذا ما وفرته هذه الفضاءات ببيع اهتمامات مستعمليها إلى "تجار الويب" عن طريق ما بات يعرف ب "ديجيتال أدس"، فيما أصبح الحديث اليوم عن "الذكاء الاصطناعي" و "big data" و "البيتكوين" بدل المصطلحات و التعابير التي عايشها الاقتصاديون لفترة طويلة..

    

ثورة الإعلام الجديد
لا يمكن أن يخفى على كل متابع لتاريخ الإعلام التقليدي، الضوابط والمحددات التي كانت تطبعه من جانب الشكل و المضمون، و التبعية التي كان يتميز بها للدولة أو لرؤوس الأموال، رغم أن هاتين المحددتين لم يختفيا عن الإعلام الجديد، لكننا أصبحنا نتحدث عن حرية أكبر داخل "العالم الرقمي" في إنتاج الخبر و المعلومة من مواقع إخبارية أضافت الوسائل التقنية إلى عالم صناعة الخبر، ثم تحول بعد ذلك إلى "إعلام اجتماعي" داخل فضاءات و منصات التواصل الرقمي، حيث ساهمت مواقع التواصل الإجتماعي في بزوغ فجر شكل جديد من الإعلام تم إطلاق "الصحافة المواطنة" أو "السلطة الخامسة" كاسم عليه، بحيث بات للمواطن و المستعمل القدرة على خلق الحدث عبر "التدوين" داخل هذه المنصات، و تحول من منطق "المونولوج" حيث يستهلك المعلومة فقط من جهات و مؤسسات إعلامية رسمية، إلى منطق "الحوار" بتفاعله مع الأخبار و الأحداث والتأثير في مسار قضايا و ملفات، و أصبح بقدرته أن ينتج وصلات فيديو و أخبار و دعاية يستطيع من خلالها حشد جمهور واسع يؤثر به على الرأي العام بدون الحديث عن الدوافع والأبعاد سواء كانت سلبية أم إيجابية..

      

أبطال الديجيتال
في ظل ما أشرت إليه سابقا، من علامات تأثير العالم الرقمي في حياة المجتمع بكل بقاع العالم، و بالدول العربية على الخصوص، أصبح الحديث عن "المؤثرين" داخل "عالم الديجيتال" من الأساسيات و الضروريات، حيث مكنت هذه المنصات بعض الأفراد من قوة كبيرة في التأثير و إنتاج أفكار و قضايا، مهما تحدثنا عن إيجابياتها لا يمكن أن يخفى على المتتبع سلبياتها، من صناعة الأخبار الزائفة إلى بزوغ نجم أشخاص و محتوى يمكن أن نصفه ب"التفاهة"، حيث بات يؤثر على مجرى الأحداث بسرعة خيالية، و هنا تحضرني المقولة الشهيرة التي انتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي "stop making stupid people famous"..

   
إن السلبية التي يمكن أن نقتفي أثرها في المجتمع الرقمي لا يمكن إن لا أن تكون امتدادا لأرض الواقع، فالمجتمعات والدول التي اشتغلت بجد على تطوير وعي مواطنيها، يقل فيها انتشار التفاهة و يكثر فيها الإنتاج المعرفي و العلمي، و هذا ما قد يفتقده الآن العالم العربي، رغم المحاولات الكثيرة التي يقوم بها الأفراد في صناعة محتوى هادف أو في التأثير في قضايا مصيرية و مهمة سياسية و اقتصادية..
    
إن الحاجة اليوم، أكثر مما سبق إلى العمل بقوة على إنتاج و دعم أبطال داخل فضاءات التواصل الإجتماعي، أبطال بإنخراطهم المستمر بمجتمعاتهم من أجل التغيير والنهضة، أبطال بتأثيرهم اليومي في صناعة ثورات اقتصادية داخل الدول العربية كمثيلاتها من الدول، أبطال في إنتاج محتوى رقمي هادف ينهي و يقطع مع الأمية و يطور مهارة الفرد و المجتمع، إن حاجتنا اليوم أكثر مما سبق، إلى أبطال الديجيتال..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.